منصة المشاهير العرب مرخصة من الهيئة العامة للاعلام المرئي والمسموع السعودي , ترخيص 147624
واحة الإبداع

في عوالمٍ مخفية 

23/ نوفمبر /2021
avatar admin
195
0
أبرار حامد
مستلقيًا على أريكة جلدية في غرفة صغيرة ذات جدران لازوردية متشعبة بالبياض،
أرى وقعات ذلك البندول جائلًا بعيني دون ارادة مني لتحركاته اللامتناهية، إنه يسلب عقلي كُلّيًا،
كأنه يشد بوعيي جاذبًا به لأماكن محظورة، لعوالم مضطربة، لم أسمع حينها ولم أعي إلّا لتعليمات ذلك
المعالج النفسي والذي ترّجلتُ إليه كُلّما ساورتني رغباتٌ في الإفصاح، لم أفقه من كلماته أي معنى؛
لكنه ما زال يدوي مصاحبًا صدًى كالهمهمة في جمجمتي كما لو أنها تعاويذًا مُعَقَّدة،
أغمضت عيني من غير وعي وإذا بي في غرفةٍ واسعةٍ جدرانها مطلية بالأصفر الباهت
تخللتها بعض الزخرفات الذهبية المُشكَّلة على هيئة زهور وتصاميم فاخرة، نوافذ كبيرة
تمتد من أعلى جدار الغرفة وحتى منتصفها السفلي، تَقَلّدَتْ تلك النوافذ ستائر بيضاء مِنَ الكتان الخالص،
أما تلك اللوحات المُعَلّقة أعلى المدفئة والتي ذهبت بي إلى ذكرياتٍ محسوسة استوطن بين
أعواد أُطرها امرأتين في الثلاثين ورجلٌ بدا في مستهلِّ الأربعين، كأنني أعرفهم جميعًا لكن
أمرٌ ما قد شوش فِكري ماحيًا ماهيتهم، إلى أن اتضحت الرُّؤية جيّدًا..
بدت المشاهد مألوفة، كُنْتُ صغيرًا أجول بقطاري الكستنائي أرجاء تلك الغرفة، القهقهات
تتعالى غامرةً أجواء تلك الليلة بابتهاجٍ وسرورٍ ملحوظ، عمتي، أمي، أبي، جدي، اضافةً لأخي الكبير؛
كان كُلّ شيء على ما يرام وتلك الطاولة المستديرة في مركز الغرفة تُنبِئ بمدى احتفالنا
وانشغالنا بحدثٍ ما، لم أعي ما جرى ولم أُدرِك سوى أن جسمًا غريبًا هوى مصاحبًا صدحًا قويًا
تجلجل في صميمِ مسامعي مثل صاعقة مهولة؛ حتى رأيتُ سقف المبنى مُدّمرًا هاويًا، حلَّ بعدها
صمتٌ مهيبٌ، رائحة التراب وحدها من تتحدّث، تلك الأجساد قد لقت حتفها أسفل الحجارة،
أمسوا جميعًا جثثًا هامدة، منظرهم كان مريعًا، جُلّ ما أراه ذلك الحين هو الذعر الذي
استحوذ عليَّ من مفترقاتٍ عِدّة، بعدها سلبتني عوالم اللا شعور إلى منحنًى مجهول.
استفقت وأنا أتصببُ عرقًا، تتملكني الرهبة، يداي ترتجفان، مُسيطرًا عليَّ القلق؛
أعيش الآن ذات الحدث بحرفيته؛ كأنني عُدتُ حابيًا من ماضيي توًا، أخبرتُ الطبيب برغبتي في العودة،
أردتُ جلسة تنويم أخرى علّي أُنقذهم، عقلي لم يشأ التصديق بمجرياتِ واقعي، بدأتُ الصراخ بهستيرية،
أنا لست بخير مُطلقًا كأن حياتي توقفت لعشرين عامًا مستأنفةً سيرها للتو، لم يُبدِ الطبيب أيّ رد فعل،
ابتسم ابتسامة غير ودودة مُسجِلًّا بعض الملاحظات في دفترهِ المعهود، مناديًا بعدها على أحدٍ
ما إبان سحبه خيط ذلك الجرس، أتى بعض الحرس الموكلين، إنهم يجرونني نحو تلك الزنزانة الموحشة
لأبدأ عزائي أضعافًا مِمّا عشته في السابق، بعدما كنتُ فارغًا مستلةً مني صغار الذكريات؛ الآن عقلي مليءٌ
بالسواد، بأفكارٍ ثِقال، الصديق الوحيد الذي اتخذته من بعد ضياعي اتّضح زيفه، اكتشفتُ ما أنا سوى فأر تجارب
لأبحاثهِ النفسيّة وها أنا أتذوق السم جرعات مضاعفة؛ فذلك الطبيب لم يكن إلّا شيطانًا
مُتجسدًّا بهيئة بريء ليرتقي على حسابِ مرضاه.
عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 11331

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.