منصة المشاهير العرب مرخصة من الهيئة العامة للاعلام المرئي والمسموع السعودي , ترخيص 147624
فنون وثقافة المشاهير

القدس إبداع التحدي

31/ أكتوبر /2021
avatar admin
187
0

كتبت الصديقة والشاعرة الكبيرة الأستاذة شريفة السيد ” الخيزران” :

لشكسبير أن يرفع القبعة لمحمود حسن..
بعد عصرنته لــ تاجر البندقية
قراءة تأملية في مقال للشاعر محمود حسن
======================

هنا في مقال (القدس إبداع التحدي)
نجد بحثا في شكل درامي، ودراما في شكل مقال أدبي

نص يفجر تساؤلات عديدة في ذهن القارئ منها على سبيل المثال:
كم من الوقت استغرق البحث ؟
بل كم من الوقت استغرق الشعور والإحساس بالقضية ؟ وكم من الوقت استغرق استحضار الشخوص وتسكينها في النص… ؟
فالشخصيات حسب الظهور في نص محمود حسن مقابل شخصيات تاجر البندقية والدوق ومجموعة مستشاريه
في قاعة المحكمة العتيقة:
دوق البندقية
التاجر اليهودي
الحاج أحمد الحسيني مفتي القدس الأسبق
التاجر اليهودي دونالد ترامب
المفكر الفرنسي روجيه جارودي
الشاعر محمود درويش
رجل يصفح ترامب
المؤرخ جمال حمدان
المؤرخ عبد الوهاب المسيري
فارس خوري رئيس وزراء سوريا الأسبق
ترومان الرئيس الأمريكي الأسبق
وأخيرا الكاتب (محمود حسن)
والمندوب الفرنسي
السفراء

::

كما تظهر شخوص أخرى وجماعات وبلدان ومذاهب ظهورا ضمنيا وتشكل حضورا في الذاكرة مثل

جماعة الليكرا
ضحايا الهولوكوست
بنو صهيون
الامبرياليون
الساميون
الجمعية العامة للأمم الماحدة
الآريون
أوربيون تهودوا أكثر منهم يهود تأوربوا
الموقعون على وعد بلفور
الشهيد محمد الدرة
شهداء صابرا وشاتيلا
سيدنا ابراهيم ، اسماعيل واسحق ، يعقوب ، وفرعون وسيدنا موسى وسيدنا يوشع
الأسباط
وبعض البلدان كمصر والعراق وجاشان والقدس وفلسطين وسيناء والأردن وجاشان وغيرها
( وادي الطُميْلات والشرقية )
الهكسوس
العالم الغربي
مقعد فرنسا
الجمهور

يقول محمود حسن في النص على سبيل المثال:
((ولن تفلح محاولات ترامب لإدخال بلفور في القضية ، أو الظهورِ معاً على خشبة المسرح ، لأن كليهما ” أعطي ما لا يملك لمن لا يستحق ” ، وها هو أحد أعضاء الجمعية العامة للأم المتحدة يوجه صفعةً مدوية لترامب وسط تداخل الإضاءات على المسرح قائلا له ” العالم ليس للبيع…….. من النص))

إذن؛

لشكسبير أن يرفع القبعة لمحمود حسن؛

لأن تاجر البندقية تمت عصرنتها على يد الشاعر المصري برؤيته الثاقبة، التي تلغي فكرة تأليه النص،
حيث يبتكر محمود حسن إعادة صياغة النص الموروث بفكر أكثر حداثة وشخوص جديدة وإن كان في نفس المكان (المحكمة)
مع إزالة الجدار الرابع للمسرح إمعانا في الانفتاح، وممارسة الفعل القضائي أمام العالم، من جميع الجهات حيث
يقول محمود حسن :
((ولا أري غضاضة في أن أوجه شكسبير إلي تقنية جديدة في المسرح حيث إنني لم ينم إلي علمي المتواضع أنه استخدمها في مسرحه ، وإن كان استخدمها فلا بأس من أن ألفتَ نظره لاستخدامها هنا مرة أخري ، وهي إذابة الجدار الرابع للمسرح …..)) ..
.
هذه العصرنة أضافت شخوصًا وأحداثا وديكورًا وتقنيات مسرحية وسينمائية مختلفة، كما أضافت كشفا لحقائق واستحضارا لشخصيات ونموا في الأحداث ..
فعرفنا هوية أطراف الحوار…
ومن هم اليهود..؟ حين قال: ((الصهيونية شعب عنصري منبوذ غير نافع ، يجب نقله خارج أوربا ليتحول إلى شعب عضوي نافع….))
وما وظيفتهم في الحياة.؟ : ((يتم توظيف هذا الشعب لصالح العالم الغربي الذي سيقوم بدعمه وضمان بقائه واستمراره ، داخل إطار الدولة الوظيفية في فلسطين….))
عرفنا من هو ترامب؟
ومن هو شعب فلسطين؟
وقيمة هذه المنطقة وأسرار أطماعهم فيها..
واستعادة فتح ملف قضية اغتيال د. جمال حمدان؟

العنوان .. أول عتبات النص:
==============
من رأس الموضوع نلاحظ الدخول بعنفوان القلم حيث العنوان (القدس إبداع التحدي)
عنوان لافت يوحي بقوة ما ورائية النص، وندرة المحتوى، مع الثقة بالنفس
.
وعلى أطراف البداية أعجبتني المقابلة بين رطل من لحم انطونيو كدفعة واحدة، ورطل كل دقيقة من لحم القدس وجسد فلسطين..!
للدلالة على هول استنزاف دماء الشهداء كل دقيقة دون توقف.. والمؤلم أكثر أن يهودي البندقية (شايلوك) الشرير قد يكون من حقه المقايضة؛ لأنه كان صاحب دين لدى أنطونيو التاجر الطيب.. بينما الشعب الفلسطيني ليس عليهِ أية ديون لليهود. ومع ذلك يدفع دماءه أضعافا مضاعفة
فالأمر يدعو للتأمل والدهشة بل وينادي بمحاكمة المتغطرسين.

يقول محمود حسن : ((أحاول أن أتخيل ردة فعل الكاتب الإنجليزي الأشهر “وليام شكسبير”، لو أنه لم يكتب حتى هذه اللحظة ، مشاهده فى مسرحية ” تاجر البندقية ” وأعني هنا المشاهدَ الخاصة بالتاجر اليهودي المرابي شايلوك ، الذي كان يصرُّ علي أن يتقاضي مقابل دَيْنِه رطلاً من لحم أنطونيو ؟ ماذا لو كان وليام شكسبير حاضرا في زماننا هذا ، وهو يري هذه العصابة ، تقطع كل دقيقة رطلا من لحم القدس ، وجسد فلسطين ، دون أن يكونا مدينين له بالقِطَعِ الذهبية ولا بشيء غيرِها ، وأحاول أيضا أن أتخيل حكم دوق البندقية ومجموعةِ مستشاريه في الأمر… ))..

دمجٌ محمود :
======
يعتمد الشاعر محمود حسن تقنية الدَّمج بين نصوص يرى هو أن بينها معادلا موضوعيا مشتركا، يجمع قائليها على قلب رجل واحد.. فيختار نصوصًا لشعراء عرب هو منهم للتعبير عن الموقف ككل، ولكن كل في موضعه تمامًا.

ويبدو الدخول الأول للشعر في النص دخولا صاروخيـًا بكلمات محمود درويش كالتالي:

وأتخيل صوت محمود درويش قادما من بعيد مدوياً في قاعة المحكمة
سجل أنا عربي
ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ
وأطفالي ثمانيةٌ
وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ
فهلْ تغضبْ؟
سجل ….. الخ

فــ (بطاقة هوية) لمحمود درويش من نوعية النصوص غير النَّمطيَّـة التي هزت العالم، وتغنَّى بها القاصي والداني، وأدمعت القلوب وألهبت المشاعر، وصفَّق لها الجميع بحرارة؛ بسبب التقنية والدلالات وفنية الأداء والخواص الفردية ونوع السياق.. نص رافض للمحتل يكره الغاصب بكل أشكاله.. يذكر مكان مولده وهُويته وعدد أبنائه ولباسه التراثي
ولون الشعر والعينين، كما يذكر مهنته.. ويكشف حقيقة المحتل.. ويعلن الغضب على من يسرق ويسلب أرض الأجداد ويأكل لحم أهله ..
إذن لم يأت اختيار محمود حسن لهذا النص ودمجه اعتباطا ؛ وإنما كان اختيارًا منطقيا يلعب على جوهرية الدمج، ودوره في السياق العام لتخيله لنص تاجر البندقية في ثوبه الأحدث.

وبَعد حوار غير طويل يبدأ الدخول الثاني للشعر من خلال نص الشاعر المصري عبد الرحمن الشرقاوي كالتالي:

من بعيد يظهر “”عبد الرحمن الشرقاوي بنظارته ويدخل في ثقة
الشرقاوي : ترامب هل تعرفني ؟ ها .. لا أعتقد
لكن هل تعرف ترومان
ترامب : نعم الرئيس الأمريكي الأسبق
الشرقاوي : منذ ستة وستين عاما وأنا في باريس أرسلت له كلماتي هذه
لماذا إذن يذيعون حولك هذا الجنون!؟
ولكن لمن كل هذا العديد؟
وتلك الحشود؟ …………. الخ

هذا النص المفعم بالأسئلة الحماسية الملتهبة الموجهة لرجل مات إحساسه، وتبلدت مشاعره وتجمَّد عقله. وهو مقتطف من قصيدة “رسالة من أب مصري إلى الرئيس الأمريكي ترومان” لعبد الرحمن الشرقاوي، والتي نُشرت مع قصائد أخرى في كتاب مستقل عام 1953،
حيث استحضر الشرقاوي الأحداث الكبرى ليصوغ قصيدته؛ ويتوجَّه بخطابه إلى رئيس أكبر دولة مهيمنة على العالم كله، ويقول له إنه يخشى على مستقبل ابنته الصغيرة، الذي هو مستقبل كل أطفال العالم الذين هدَّدتهم وأرعبتهم ما خلَّفته القنبلة الذريَّة على هيروشيما ونجازاكي من دمار مروِّع وقتئذ…. !
نص ليس من السهل تجاهله. وقد جاء مندمجا بحرفية شديدة في العمل.. وله دلالاته وتأثيره البالغ، ناهيك عن التذكير به وبالحدث وبالرئيس الأمريكي الأسبق (ترومان) . فالتاريخ يعيد نفسه.
::
ثم يكون الدخول الثالث للشعر من خلال كلمات الشاعر محمود حسن بذات نفسه…
وهنا أرى أن محمود درويش ونزار قباني وعبد الرحمن الشرقاوي يقفون جميعا على خط متواز مع محمود حسن،
فجميعهم في كفة وهو في كفة أخرى، وحده بلا منازع بنصه الشامخ (التسبيح بالجسد.). الصادر عن مؤسسة يسطرون عام 2011
حيث تبدو من المقتطَف (لا تبتئس) روح الأمل والتفاؤل واعادة الغرس ومعانقة شجر الفضاء، والدفع للنهوض من جديد بعد كبوة طال أمدها..هم أجرموا لكنهم أبدا قطيع سوف تلفظه السماء.. فكل نقطة دماء من دم الشهداء تنطق أحدٌ أحد .. يقول محمود حسن بعد حوار بين المسيري والشرقاوي وترامب :

(( ثم يظلم المكان ليسمع من بعيد صوت الكاتب ( 1 ) وهو يردد
لا تَبْتَئِسْ
إنَّ السمواتِ القديمةَ لَمْ تَزَلْ
وَالأْرضُ تَحتكَ تَحْتمِلْ
واللهُ فى مَلَكُوتِهِ منذُ الأَزَلْ
فلتسترحْ هذِى المُقَلْ
اغْرسْ بِعيْنيكَ اللتَيْنِ تَشَكَّتَا
وجعَ الدموعِ زَنابِقاً شَجَراً
وَأنْهَاراً علَى هَذَا اليَبَسْ
لا تبتئس
وَانْهَضْ إِلَى هَذَا الحُطَامِ
مُعَانِقاً شَجَرَ الفَضَاءْ
هُمْ أَجْرمُوا لَكنَّهُمْ أَبَداً قَطِيعٌ
سَوْفَ تَلْفِظُهُ الأَرَاضِى
البِكْرُ تَرْكُلُهُ السَّمَاءْ
متْ وَاقِفاً يَا سَيِّدَ الشُّهَدَاءْ
لّنْ يَفْرَطَ الآَنَ
سِوَى حَجَرِ الجِدَارِ مٌحَطِّماً وَجْهَ العدوِّ ..
مُفَجِّراً رَمْلَ الْغَضَبْ
هَذِى الدِّمَاءُ عَلَى ثِيَابِ الأَرْضِ
مَفْخَرَةُ العَرَبْ
لَنْ يَجْبُنَ الطِّفْلُ الرَّضِيعُ
وَلَنْ تُمِيتَ الْأَرْضَ شَظْيَةُ
قُنْبُلَةْ
هَذِى الدِّمَاءُ الطَّاهِرَاتُ مُفَجِّرَاتُ الْأَسْئِلَةْ
وَقَفَوا عَلَى أَشْلَاءِ قدسِك
كَالْخَنَاجِرِ فِى الجَسَدْ
هَذِى الصُّخُورِ عَلَى الصُّدُورِ
كَأَّنَهَا نَزْفُ البُيُوتِ فَقُلْ هُوَ
اللهُ أَحَدْ
أَحَدٌ أَحَدْ .. فَرْدٌ صَمَدْ)) من ديوان التسبيح بالجسد للشاشعر محمود حسن ط/

تلك الفرادة وارتفاع نسبة جماليات الشعر على نسبة تقرير الحدث، وطغيان الشاعرية على الموقف.. لا تؤكد شاعرية محمود حسن فحسب، ولا كونه نص يحشد من أساليب البلاغة الكثير _ ليس هنا مجال طرحه وتفنيده على بروزه بشدة_ وإنما تؤكد جمالية الدمج وحسن الاختيار ووضع الشاعر المصري في قلب الحدث كأحد المتحدثين بلسان العرب في قاعة محكمة (تاجر البندقية) فالتفاؤل والأمل (مُتفقٌ عليه)…!
‏ ::
ثم كان الدخول الرابع للشعر بنص نزار قباني كالتالي:
ويأتي من بعيد صوت نزار قباني حزينا باكيا غاضبا وهو يرتل بعض ما أوحي الدم الشهيد إليه :
بكيت.. حتى انتهت الدموع
صليت.. حتى ذابت الشموع
ركعت.. حتى ملني الركوع
سألت عن محمد، فيك وعن يسوع
يا قدس، يا مدينة تفوح أنبياء
يا أقصر الدروب بين الأرض والسماء
يا قدس، يا منارة الشرائع
يا طفلةً جميلةً محروقة الأصابع
حزينةٌ عيناك، يا مدينة البتول …………… الخ
::
وهو جزء من قصيدة (القدس) لشاعر سورية السياسي الدبلوماسي الذي عُرف بحماسه ضد الفساد العربي المقيم، وضد فكرة الاستيطان اليهودي في قلب الجسد العربي.. وتعرَّض للنفي في أواخر أيامه بسبب أشعاره وعاش في لندن حتى مات غريبًا منفيًا بسبب وطنيته الطاغية.
وقد كتب نزار هذه القصيدة (من الأعمال الكاملة لنزار قباني) بسبب غضبه وحزنه على بلاده وبسبب وفاة ابنه الذي أصيب بالرصاص الإسرائيلي، ووفاة زوجته بلقيس بعد تفجير السفارة العراقية في بيروت عام 1981 وكانت بلقيس الراوي تعمل بالملحقية الثقافية بها.
وقد وفق الشاعر محمود حسن في اختياره لهذا المطلع لأن نزار قباني بدأ من منطلق ديني، مشيرًا إلى كثرة بكائه وصلاته وركوعه قبل أن يسأل عن الأنبياء/ محمد -صلَّى الله عليه وسلَّم- وعيسى المسيح -عليه السَّلام..
ثم ينادي على القدس باعتبارها مهبط بعض الأنبياء، وقطب الشرائع، ومَعبَر الرسول إلى السماء؛
إذن فهي مقدسة في الإسلام والمسيحية واليهودية أيضًا.. ثم يرصد كل أنواع الحزن والموت والسَّواد في كل مكان فيها… بحرفية الشاعر الفذ..

فنية الدمج:
======
إن الدمج أو التضفير بين نصٍ للكاتب ونصوص الشعراء الثلاثة الآخرين من وجهة نظري يُعتبر إضافة فنية حقيقية للنص؛ جمعت بين أصوات الماضي والحاضر وربما المستقبل، (وألَّفت بين نصوصهم)، لترفع صوت الشعر ناطقا بالحقيقة ومؤيدًا للقضية ومدافعًا عنها مهما طال الزمن ومهما حاول المتغطرس طمسَها. على الرغم من أن الشعر لم يحل القضية، ولا حلَّ قضايا غيرها؛ كما قلت أنا/شريفة السيد في إحدى قصائدي ( من ديوان بركان الوردة ط أفاتار 2020 .. قصيدة النكسة الكبرى ص 24 .. / الشعر ما حلَّ القضايا لا ولا.. منع احتباس الدمع في الأحداقِ )
،
وقد جاء الدمج والتضمين هنا كنوع من فنون التعبير، من قبيل استخدام مصطلحيّ (اقتباس وتضمين) تحت مسمى (التناص) أي دخول النصوص في بعضها البعض؛ لإنشاء مولود جديد تمامًا. وسواء كان ذلك عمدًا أو فيضًا من مخزون الذاكرة والعقل الباطن… فهو أمر يعترف به البلاغيون، ويقره نقاد العصر الحديث، كنوع من الاستشهاد كما يحدث مع آيات من القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية أو الحكم والأمثال والشعر والقول المأثور الخ . وذلك لإضفاء القوة والرونق على النص..
ولكنني أرى أن الدَّمج هنا جاء متوافقا جدًا وكأننا نرى كل نص منها كعامود أساسي في بناء النص بل هو من صُلب العمل، إضافةً إلى القوة والرونق..
فلم نشعر بنفور ولا استنكار ما.. بل كان العمل بهذا الشكل يمثل قطعة مزخرفة من الفسيفساء تشتمل على أحجار كريمة مختلة الألوان، تم تعشيقها بفن وجمال وحرفية أبرزت وأبعاد الحجر وألوانه وأحجامه، بجانب إبراز نبل الهدف… طوبى للنبلاء
إذن
هذا هو النص الذي تم التخطيط له بدقة، ووضع قطع الأحجار الكريمة بجوار بعضها بدقة، لإنتاج الشكل النهائي له، باستخدام مواد لاصقة على بياض الورق.. هذه المواد اللاصقة هي الشعور الحي والضمير الحي والقلم الحر الحي. ليمثل نص تاجر البندقية المستحدَث حضارة أخرى..
لأنه من وجهة نظري يعادل في قيمته أكبر لوحة فسيفساء في العالم، موجودة بفلسطين وتحديداً بمدينة أريحا، لوحة فسيفساء تصل مساحتها إلى 826 متراً مربعاً، تقع في قصر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، إذ تتكون من 38 لوحة صغيرة متصلة مع بعضها البعض بغاية الدقة والجمال، تمتلك ما يقارب 21 لوناً، إذ تقع اللوحة تحديداً في حمام القصر والذي تم تشييده في عام 743 ميلادي، كما تم تسمية اللوحة لاحقاً باسم ((لوحة الحياة)) بسبب الرسومات المعبرة عن حياة الحرب والسلم، إذ تتكون من شجرة تتوسط أسد يلتهم غزال من اليسار، وغزالان يعيشان بسلام من اليمين، عدا ما يحيطها من أعمدة وزخارف ذات طابع إسلامي..
::
المسرح المؤفلم والسينما الممسرحة:
================
النص الذي نتعامل معه لم يكن شعرا بالأساس .. ولكن الشعرية والشاعرية طغتا عليه رغما عن الكاتب
فنجده وقد استفاد من تقنيات المسرح والسينما في اعادة صياغة النص . على طريقة بريخت … .
والملاحظ هنا جودة رسم الشخصيات، وطريقة الحركة على المسرح، ووصف المكان، وتبادل الحوار البناء، لإصابة الهدف عبر تقنية التكثيف والتركيزالشديد ، بالاتكاء على المعلومات التاريخية الصحيحة. وكذلك استخدام الإضاءة حين يقول مثلا : ((ثم تعود بقعة من الضوء يظهر من خلالها عبد الوهاب المسيرى ) أو (يظلم المكان ويختفي عبد الوهاب المسيري ولا يعود))
كما تلعب تقنيات السينما دورا هاما في استعادة الذكريات المؤلمة والاحداث التاريخية وممارسات المغتصٍب تجاه المغتصَب في الفقرة التالية من النص ولنتخيل شاشة العرض في خلفية المسرح:
((لنشاهد محمد الدُّرة في الخلفية غارقا في دمائه علي حجر أبيه ، ونري الدماء تغطي صبرا وشاتيلا ، ونري هذا الصاروخ الأحمق الموجَّهَ يمزق جسدَ هذا الشيخ القعيد على كرسيه المتحرك ” الشيخ أحمد ياسين ” وهو ذاهب لصلاة الفجر ، والحممَ والقنابل تُصبُّ علي غزة وغيرها .. على الشعب الفلسطيني الأعزل ……. الخ ))
هذا التداخل بين تقنيات المسرح والسينما والشعر في تراجيديا تثير متعة استعادة التذوق الفني للتراث المسرحي؛ أحدث نوعًا من شَد الانتباه والتفاعل المشترك بين القارئ والنص.. وصنع جسرًا من التواصل، ليصبح النص مصدرًا للجمال والمتعة الفنية تجاه الحلم العربي الكبير.. وجعلنا نكتشف سحر الدَّمج والتضمين، وسحر السخرية من الواقع البغيض، ويجبرنا على التحليق على أجنحة الخيال ..
نص يجعلنا نتذوق طعم نبذ صفة الأنا الشعرية المسيطرة على الشعراء أثناء الكتابة.. إذ لا مفاضلة بين المسرح والسينما هنا ولا بينهما وبين الشعر منفردًا ولا الشعراء منفردين.. بينما أبهرني الدمج وأدهشني الاقتباس وارتحت لعدم الصنمية والجمود وأسعدتني النتائج في نص كتب له محمود حسن الخلود… في محاولة لتدجبج المسرح بحشود من ممثلين وجمهور من جميع أنحاء الكرة الأرضية لكي ينظروا في تلك القضية في محكمة الحياة.
..

ملاحظات عامة
=======
يظل صوت الشعر عاليا مدويًا محاولا وإن كانت محاولات بائسة. وليست يائسة. وهذا ما يؤكده تكرار جملة (من بعيد) مع قدوم كل شاعر لإنشاد قصيدته …!!
لاحظوا معي يقول محمود حسن:
1 _ وأتخيل صوت محمود درويش قادما (من بعيد) مدويا
2_ ويدخل في ثقة عبد الرحمن الشرقاوي بنظارته (من بعيد)
3 _ (( ثم يظلم المكان ليسمع (من بعيد) صوت الكاتب
4_ ويأتي (من بعيد) صوت نزار قباني حزينا باكيا غاضبا
وهنا أتساءل:
لماذا جعلهم جميعا ينشدون الشعر من بعيد ..؟
وأجيب: لأننا بالفعل كعرب نعتبر جميعنا أبعد ما نكون عن قلب الحدث.. وعن المعاناة الحقيقية لهذا الشعب.. وإن كنا نطلق صيحاتنا هنا وهناك بمتفرقات شعرية، ولكننا بالفعل لانزال هناااااااك في البعيد البعيد .. بُعد مكاني وبُعد زماني وبُعد روحي ونفسي أكثر إيلامًا ووجعًا….!
ولماذا وصف محمود حسن صوت محمود درويش مدويًا / وعبد الرحمن الشرقاوي واثقًا / ونزار قباني حزينًا باكيًا غاضبًا.. .؟ ولم يصف صوت نفسه هو مكتفىا بـكونه (يُسمع صوت الكاتب من بعيد) .؟
سؤال يطرح نفسه..
والإجابة لا تعوَّل على مجرد التغيير؛ وإنما تُعوَّل على أنَّ كُلا من هذه الصفات أراها تكمل الأخرى،، فلو اجتمعت كل هذه الصفات (مدويًا واثقا حزينا غاضبًا) لعبَّرت عن كل شعراء العرب تجاه القضية؛ ليصبح الكل في واحد.. ويبقى نص محمود حسن/النص الرابع تجتمع فيه كل صفات شعراء العرب.. مدويا واثقا وحزينا وغاضبا.. بل وغيرها وبلا حدود. اللا وصف هنا غرضه اتساع الرؤية وعدم المحدودية.
..
‏ تبدو الثقافة التاريخية وعمق وتعدد قراءات الشاعر، في كل تفصيلة بالمقال.. حين يختار شاهدَين في القضية هما من أهم كتاب التاريخ في مصر والوطن العربي في العصر الحديث؛ من بعد الزركلي والسيوطي والقرطبي والتوحيدي و السرجاني ورفاعة الطهطاوي وغيرهم
وهما (عبد الوهاب المسيري وجمال حمدان)، ويُجري على لسان كل منهما الحقائق التاريخية المُفحِمة لترامب ولليهود.
‏ثم يطرح على لسان المسيري سؤالا حيّرنا من قبل، وهو سبب وفاة د.جمال حمدان.؟ وخسران البشرية لمؤلَّفه الذي انكفأ عليه لسنوات (اليهودية والصهيونية) ولكنه لا يجيب ويمضي وسط الدخان، تماما كما حدث وكما قالت التقارير والمعاينة الاستخباراتية وقت وفاته، وكما صورته الصحف وشهد به جيرانه.. لتظل القضية في خانة المسكوت عنه ككثير مما نعرفه جيدا.
..
تكرار جملة (القوة تفعل ماتريد… !) يؤكد سياسة قانون الغاب لأوربيين تهوّدوا في زمن المستضعفين، وتجاه شعب أعزل بسيط، وبيد ثلة مُسيَّسة لصالح أمة طاغية…
..
يثير النص قضية أحقية شعب فلسطين لأراضيه من خلال إثبات أن اليهود المعاصرين أنثربولوجيا لا علاقة لهم كجنس بأرض فلسطين كما جاء في كتاب د./جمال حمدان الشهير… وإنما القوة تفعل ما تشاء، باعتراف كبيرهم الذي يُخفي الحقيقة عمن سبقه وسيخفيها عمن سيليه..
.
يتصاعد البناء الفني عند إبراز الفرق بين الصهيونية واليهودية ومعاداة الأولى للثانية، وقرارها بإبادتهم وطردهم وبشكل علمي مقنن؛ ليسكنوا أرض فلسطين لصالح الغرب. بدلا من كونهم مادة بشرية غير نافعة؛ حيث كانوا عالة على المجتمع الأوروبي..
..
كما يتضح إصرار الكاتب على أن يكون جمهور المسرح من كافة جنسيات الكرة الأرضية؛ لكي تكون الفضيحة عالمية بكل المقاييس. ليتهم يتحركون….!
.
ولو تعمد محمود حسن استعطاف الرأي العام العالمي؛ ما أجاد كما أجاد في استحضار شهداء صبرا وشاتيلا ومحمد الدرة والشيخ القعيد أحمد ياسين والمقدسي؛ الذي يُقبَِل رأس ابنه الشهيد مباركا له على الشهادة.

‏ثم مطالبة شكسبير (إن أنصف) بمحاكمة الضمير العالمي ولم يقل الضمير العربي؛ لأن العالم أجمع أجرم بصمته أمام بشاعة المشهد وتمزيق الجسد الفلسطيني، والكل لا يحرك ساكنا، مع احتفاظه بأسباب صمته‏.. وأكبر دليل انشغال (فارس خوري) بالنظر في ساعته لمدة 25 دقيقة داخل النص..!.

كما أن اختيار الشهود له دلالة رمزية على أهمية الدول التي يمثلونها:
ــ فالمسيري وجمال حمدان والشرقاوي يمثلون مصر قلب الوطن العربي
ــ ومحمود درويش والشيخ احمد ياسين يمثلان فلسطين الجريحة المجني عليها
ــ ونزارقباني وفارس خوري يمثلان سورية
ــ وروجيه جارودي يمثل الرأي العادل من بين الجبهات الغربية المعادية لقضية فلسطين والقدس
ــ فيما يمثل ترامب رأس الأفعى
.
هذا التجمع المقصود فيه إشارة إلى رسالة الزعيم جمال عبد الناصر مرة أخرى
(حلم القومية العربية)
.
الإضاءة دائما (بقعة ضوء) في كل المشاهد ، للدلالة على سواد الموقف وانعدام الرؤية العربية إلا من بصيص أمل يأتي عموديا على رأس الممثل.. وحتى حين اشتدت الإضاءة فإننما جاءت إضاءات متداخلة للدلالة على اختلال الرؤية وعدم اتخاذ قرار جماعي حاسم تجاه إسرائيل.
::
الختام المدهش للمقال:
==========
ثم وقف فارس الخوري يلقن المندوب الفرنسي درسا عملياً مبهراً ؛ ويقول له: “سعادة السفير؛ جلستُ على مقعدك لمدة خمسٍ وعشرين دقيقة؛ فكدت تقتلني، غضباً وحنقاً، سوريا تحملت سفالةَ جنودكم خمساً وعشرين سنة ؛ وآن لها أن تستقل ولتنتصر سوريا
هل تتكرر الفرصة مرة أخرى مع مندوب فلسطين ، ليجلس مندوب فلسطين في مقعد مندوب الإسرائيليين في الأمم المتحدة ؟… ربما…
هذا الختام الساخر لا تعليق عليه .

تبا لكل شيلوك جديد على أرض العرب.. وهنيئا لكل أنطونيو جديد كمحمود حسن..

عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 11350

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.