لا أتشابه وأمّي ..
لمياء أبو لطيفة
سوى بشِريان في القلب، ضيّقته الدُنيا ونوائِبها ووسّعتهُ
عنوة اللوازم الصحيّة وطبيبٌ مُصِرٌّ على ذلك.!
..
أغيبُ كثيرًا وأعود لأُلقي برأسي على صدرها وأغنّي لها أغنية
تُحبّها يقول مطلعها:
“شو بخبركن عن أمي.. أمي بعدا صبية
عندا بيت من القرميد بهاك الضيعة المنسية”
فيُلاحق تصرفي هذا ملاحظة منها.. فتقول
“أني مهما كَبُرت أعود ابنة الخمسة أعوام..”
حين صرتُ بعُمر المراهقة الحساس، كانت أمي قد صارت جدّة لم تُصادقني كما اخوتي واخواتي الأكبر مني وبطبيعة الفجوة العُمرية كان هناك مساحة كبيرة بيننا..
قصَّرتُ.. وآثرتُ وقتي بالحياة بعيدًا عنها لسنوات طوال،
أمي امرأة بشوشة بشفاهٍ تغزل الحرير، ومُحِبّة لكُل الناس وتراهم كملائكة وتأخذهم بحُسن ظنها وهذا سبب الخلاف المحوريّ والأكبر والأوحد بيننا!
تحاول مواكبة عالمنا بشتّى الوسائل، تخجل من أن أقبّل كفّيها أو أن أغازلها.. فتضحك كصبية بريئة،
لطالما كنتُ أتعجّبُ منها دائمًا كيف تُرّبي الصبر فينا كما تُربي زهراتها المُلوّنة.
أنا لا أشبه أمي، لستُ بطيبها أبدًا، ولا أشياء مُشتركة بيننا
إلّا الألم في القلب..
أضعُ يدي على صدري متألمة بكذب.. فتلتفتُ فزعًا
مغتاظة من “خفّة دمي” التي لا تكون في وقتها على حسب قولها ثُم تُردفُ لائمة بلهجتها الفلاحة:
“قلبي على ولدي انفطر”
فأقشعرّ لسماع لفظ “انفطر”..فأكرهُني..!
تضعُ يدها على جبيني وتُرتِّل آياتٍ كثيرة فأغفو كعائدٍ
من “غيط” قضى عمره في حراثته!
لن تقرأ أمي هذا،كما تتجنّب دائمًا قراءة نصوصي لئلا يصيبها الذي فيّ أو تتحجج بضعف بصرها لتهربَ من ذلك!
تخجلُ أمي إن تحدّثَ أحدٌ عن أفضالها، وأخاف أنا من أن يسقط من لغتي البسيطة المرتجفة لفظًا لا يكفي أو لا يليق!
ولولا ستر الله ولوحة المفاتيح الباردة هذه، لاكتشفتهم أنتم أيضًا جُبني ورعشة يدي البادية في خطّ يُمناي كُلما شرعت بالكتابة عنها..
لأمي الحبيبة “الصبية الحلوة جدًا” كما أحبّ أن أصفها دائما ألف مجدٍ وعمرًا كاملًا من الامتنان..
وألف لعنة لرعنة الطيش آنذاك، تلك التي جعلتني أجهل وافوّت النعيم الذي أشعرهُ وألقاه حين أُلقي بثقل رأسي
في حضنها!
أو حين نرّنم سوية أغانٍ قديمة بصوتها الناعم وصوتي الأجشّ، أو أتبارزُ وإياها بحفطنا للشعر القديم أو مصطلحات باللغة الإنجليزية، وغضبها الطفولي كلّما تفوّقتُ -غُشًّا- عليها أَو دعواتها لي بأن يرفع الرب مقامي درجات في الدنيا والآخرة كلما دنوتُ وشذّبتُ لها أظافر قدميها..أوقبّلتهما إن
أنا بفظاظتي آلمتُها!
هذا اعتراف جَلَل أو بصيرة متأخرة..
بأن كُل يوم يمُرّ دون وجه أمي أو كوب شاي تُكلله يداها بحُبّ عند طلوع الشمس..
باطل ومنقوص.. لا يُعوّل عليه، ولا يُحسَبُ أبدًا من عمري!
admin