منصة المشاهير العرب مرخصة من الهيئة العامة للاعلام المرئي والمسموع السعودي , ترخيص 147624
فنون وثقافة المشاهير

عشتار العرب رائدة أدب المنفى و أيقونة شعر الإغتراب

23/ يونيو /2021
avatar admin
566
0

رشا الحسين الظريفى

 


لميعة عباس عمارة .. الإرث البابلي وأنثى ما بين النهرين، أم العراقيين التي غيبت قسرا.

 

عشقت العراق كما لوكان حبيبا ،

رسمته بأجمل الصور والقصائد ،

شاعرة الإرث والتاريخ الأغنى ..

عاصرت العصر الملكي والحكم الشيوعي ..و انقلاب 1963 لعبد السلام عارف و حكم البعث ..ودخول الأمريكان للعراق.

عاشت الفترة الأصعب .. فالإنقلاب السياسي أنذاك يسبب انزياحاً شاملاً ؛ ينهي تاريخا ليبدأ تاريخ أخر ، و في عملية كبرى كهذه لا بد من ضحايا

لقبت بشاعرة “البلاط الشيوعي” .
الأنثى التي تعتز بأن يدها بقيت نظيفة ، لقد اشترت حريتها بقول: “لا ” رفضت كل المراكز والمال ،فلكل شيء ثمن وهي أكبر من أن تدفع ثمن .

عاشت حياة بسيطة في أمريكا بغرفة نوم واحدة ، وفي فترة سبقتها عاشت هي وأختها وإبنها بغرفة واحدة .

 

بالرغم من أنها ولدت بأسرة ثقافية ميسورة .. لوالد يعمل بصياغة المجوهرات ، وعمات عملن في التدريس .

تعتز بكنية العائلة المنسوبة لحي العمارة ، تعتبر أن بغداد هي العراق ..كما لبنان هو بيروت ، بكل فخر تعتبر لبنان بيتها الأول وليس الثاني ..لأن الإنتماء هو الحب ، تمنت لو حافظ العراق على إرثه وتراثه كما اللبنان ،الذي لازال يبني بالحجر متمسكا بالأصالة، وتعيب على بعض العراقيين أنهم يأخذوا من العراق ليعمروا ببلاد أخرى ، تنفي التعميم لكنها تعتبر أن أخلاق العراق لم تعد كما كانت ، وكلما خرج في العراق شخص يؤمل منه الخير قتلوه ، تجزم أن هنالك من خطط حتى لا تقوم للعراق قائمة ، وتظل هذه البقعة من الأرض مسيطر عليها ، مع ذلك تجد وبرغم كل الظروف ..أن العراقي يبقى ذاك الشهم والنشمي الكريم .

بدأت بالشعر العامي والحزين ؛متأثرة باللطامات والعمال والحسينيات والأعراس .

تعتبر نفسها أم عراقية، وصوفية عراقية، وعاشقة عراقية، وأي نموذج للمرأة العراقية فهي تمثله .

 

لا تنام قبل أن تصلي ، تعتبر ما حدث بالعراق لاحقا يعود التربية والمناهج ، فإن أردت تحطيم أمة تدخل بفكرها وعلمها ، حتى مستوى الحديث تجد بأنه هبط بين المربي وتلاميذه .

تحب الضحكة والنكثة .. وتحول المأساة لملاك ،أمنت بالحلول واعتبرت أن الناس لا تستمتع بالأشياء، إلا إذا طابقتها على شبيه بالعراق .

تجد أن ملكات الجمال لن يصلوا لجمال أمها وإن كبرت ،
“ليس يغني عن وجه أمي وإن شاخ كل هذه الوجوه الملاح”.

هي امتداد جيل الأدب الذي غيبته السياسة ، رائدة الصالونات الأدبية والثقافية إبنة عصر نهضة الشواعر بالعراق، جيل بدر شاكر السياب والجواهري وبلند الحيدري ونازك الملائكة، إبنة ميسان إبنة الطين واللبان ،أصلها من مدينة الطيب ثم العمارة ، أول من بنى عمارة من اللبن المفخور كان جدها وأخوته ، نشأت من الطين المترسب في جنوب الرافدين ، سومرية بابلية لم يستهويها مكان بالعالم حتى مكان اقامتها القسري ، رفضت الانتماء لغير العراق ،أم لثلاث أبناء طيار وشاعر وإبنة وحيدة .

ترجع بأصولها الدينية للطائفة الصابئية المندائية ،وهي ديانة إبراهيمية موحدة تتبع لسيدنا يحيى عليه السلام.
إبنة خال الشاعر العراقي الكبير “عبد الرزاق عبد الواحد” ،عشقت بغداد واعتبرتها ودجلة الحلم والجمال ، قررت أن تبقى بعيدة لتبقى صورة بغداد الجميلة في ذهنها لا تتغير ، خشيت العودة حتى لا تشاهد ذاك الجسد المقطع ،فإن رأته ماتت حزنا أوانتحارا .
بعمر الرابعة عشر نشرت أول قصيدة لها بمجلة سميري، لقبت “بالشاعرة الصغيرة ” كما لقبها إيليا أبو ماضي .
ترى بأن الشعر سيدا إن لم يتبع السياسة ،زاملت سليمان العيسى حيث تصفه برجل مهموم ، يحمل لواء إسكندرون على ظهره المنحني ،الصوت القومي المتألم لوحده ، زاملت شعراء ولم تزامل شاعرات .
تيمنا بإسم زكي مبارك ؛ لقب زوجها مبارك ب”أبي زكي” قبل الزواج وبعد الزواج أصبح لديها إبنا إسمه زكي مبارك .
وقفت مع الجواهري بمظاهرة سلمية لتأبين شقيقه جابر ،حضرت مهرجان للشعر في لبنان ،كانت اقصرالحضور قامة وأطلقهم لسانا ، فظهرت غيرة وصراع من ضعاف النفوس فقالت:
آتيت أنا العراق وليس عزمي هوا سهلا ولا أخذا بمن
فليس لأن في عيني أحورارا وأن مخصري سهل التثني
وليس لأن في شفتي أنثى يغنجها الدلال ولا لأني
ولكن جئت شاعرة وأدري يعبد لي طريق المجد فني
…………………………………..
لم تنكر تغزلها بالرجل كرجل كما ذكرت :
لا تكثروا السؤال
وفيمن أكتب الغزل

لمن تدر دجلة الخير بلا ملل
لمن تحلي تمرها النخيل
…………………………………………….
تؤكد أنها لم تعش يوما بلا حب فحياتها مليئة بالحب :
الرجل الذي أحبه صدفة تكراره محال
فتشت عنه الأرض وانتظرته
وجدته موزع الصفات بين الرجال
……………………………………….
مدحها الشعراء لكنهم غاروا لأنها سرقت منهم الأنظار :
فإن مت فسأبقى طيب يتصاعد من كل الأكواخ
فاتنا الطلع زهره وجناه وافتقدنا مواسم القداح
كم لممنا نثيره ونظمناه عقودا من لؤلؤ فواح
نسمات ياليتها من بساتين بعقوبة سرحت بالصباح
……………………………………………..
بقيت لميعة رغم كل الوجوه والأزياء الشعرية التي ارتدتها ومثلتها ، معلمة للغة العربية وشاعرة ورسامة وخياطة وطباخة ، تصف نفسها:
فرسا جموحا كنت
لم أعثر ولم يسهل قيادي
بي من شموخ النخل
والكرم المؤصل في بلادي
أنسيت يوما كبريائي
حين ضيعني دليلي
فإذا يدي تمتد للصداقات
يرميها الذي قتل الحضارة للقتيل
يا ملتقى النهرين والحرب يابصرة
يا أكرم المدن العراقية
يا تل أنقاض ومقبرة جماعية
سلّي كل النخل في قلبي
لا شيء أبشع أوأشد حقارة من هذه الحرب
يا ذكرياتي في العمارة
أسمع الصاروخ ينسف ذكرياتي
من نهر دجلة صارأنهارا بها بدأت حياتي
الليل الصيف والناي الحزين بليلها
سمر السطوح الساهرات
حبي العمارة بيت جدي درب مدرستي
مشي على الكحلاء أغنيتي
حتى الأغاني أخرست لم تنجو من قتلي
وأمرها أني سأدفع
حق كل قذيفة سقطت على أهلي
………………………
ترجع خراب العراق للعراقيين أنفسهم ؛فهم لايحافظون على الحضارة ،
حتى على مستوى الخلفاء اعتبروا أن القوى العسكرية أهم من قوة الفكر والأخلاق ، خربت الأخلاق والفكر وخرب كل شيء معها ،
تؤكد أنها لم تضطهد إلا في عام 1963 ،بالانقلاب على عبدالكريم قاسم ، فصلت من الوظيفة ،حجزت أموالها ،منعت كتبها، صدربحقها حكم الإعدام ، لكن الأمر نفذ خطأ بأخرى تحمل إسمها ،إعدمت رميا بالرصاص في الملعب، وثقت الحادئة بكتاب هيومن رايتس الخاص بالعراق ، جرى البحث عنها لاحقا .
بعد عشر سنوات من تلك الحقبة ، اعتبرت تلك الفترة من حياتها أيام منسية ، لم تتحدث عنها كثيرا ولا تريد ذلك ففي الإنقلابات العسكرية يقومون بإجتثاث كل سابق ،حتى وإن كان ظلما ، فلا مكان لقديم من سياسي ومثقف ، المكان فقط للقادم .

اتهمت بالإنتماء لليسار ، لم تنكر أنها تتفق معهم بالكثير من النقاط لكنها لم تنضوي تحت جناحه ، رفضت أن تنضوي تحت جناح أي حزب ، لأن الانضوا برأيها أن تصبح معارضة ، أحبت أن تكون بعيدة عن كل الأحزاب ، فالانضواء انتماء وتبعية ..وهذان الأمران يجعلان البوصلة تنحرف عن مسارها والمبادئ تتغير، فمصلحة الحزب فوق المعتقد الشخصي .
بقيت بموقعها الفكري والثقافي طوال عمرها ،كما كانت في العام 1948 .
حين يغيب أحد الفرقاء عن النقاش ، تدافع عنه وتلتمس له العذر ، فلكل فئة وحزب حسناته وسيئاته التي لا تنكرها، فخسرت بذلك الكثير من الأصدقاء .
آمنت بالديمقراطية والحرية ناصرت المرأة ، تؤمن بالله ومعجبة بالكثير من الأديان تتشارك والجميع بمناسباتهم .
كان لقصائدها وقع بقلوب التقدميين -جذبت الناس- تاثرت بالشاعرة “وفية أبقلان ” التي هتفت بالأشعار في محكمة الشعب ،تقر أنها محدثة وحديثها لم يناسب متطرفي القومية ، رفضت الوحدة مع مصر لتعصبها للعراق رفضا لحاكم خارجي، فلا يمكن أن يحكم العراق غير العراقي .
صدرت بحقها أكثر من مذكرة اعتقال ، طلبت للقتل والتصفية كما أسلفت بداية انقلاب ال1963لعبد السلام عارف.

لم يمسسها أحد ولم تهان ، تؤمن بأن الله يسير معها يحميها ، لم تغادر العراق خلال فترة البحث عنها ، وضعت صورها بالجرائد لمدة ثلاث أيام ،اعتقل أكثر من شخص ليدلي بمكانها ، من المعتقلين شخص كردي يدعى (شركوا) ،علق بالمروحة بغرفة التحقيق .. ليقر أين لميعة ،أنكر معرفته بمكانها وأوهمهم أنها غادرت العراق إلى موسكو،اضطرت لنقل مقر إقامتها أنذاك ،من بيتها في حي الأعظمية حيث عادوا للبحث عنها ثانية .
تروي في مقابلة لها ، أن طالب درسته يدعى “عبد الكاظم” أبدى آسفه لإعدامها أمام زميلة لها ،مرددا الكلمة العراقية المشهورة “حرامات” تنعدم لميعة عباس ، بإشفاق أخبرته أن لميعة لا زالت حية ، تتابع عملها بالتدريس في الثانوية الشرقية ، في اليوم التالي جاء عبد الكاظم لاعتقالها ،أرسلت مديرة المدرسة السيدة “لميعة الأورفلي”، بورقة تخبرها فيها بالأمر ، طلبت التريث حتى الانتهاء من الدرس ،تابعت درسها بأمانة مهنية ،منحها الله برودا ورزانة فلم تشعر بالارتباك ،وهذه إحدى سمات لميعة عباس الثبات والقدرة على استيعاب الصدمات .
رحبت بطالبها القديم عبد الكاظم -أنكرعليها ذلك – رفضت الذهاب بالبيك أب المخلوع الباب ،ذهبت بنفسها بسيارة أجرة ، اتهمت أنها من قيادات الحزب الشيوعي ، وأنها شاعرة المهداوي والمحكمة ،طلبت الدليل على ذلك ، ولأن ” وفية أبقلان” أصبحت في موسكو ، أخبرتهم أنها ليست شاعرة المحكمة ولكم تمنت أن تكون هي ، بحديثها هذا أنقذت خالة وفية السيدة ” فخرية ” التي اعتقلت خطأ ، فتم إطلاق سراحها .
بقيت ثابتة رغم مشاهدتها لطريقة اعتقال الفتيات أثناء وصولهن للمقر ،انتظرت المحقق الذي حلف بالحسين أنها من القيادة ،صعقته حين أخبرته أن الحسين بريء منه وعليه أن يتقن عمله لأنه يسيء لحكومته بذلك .

مجددا صدرت مذكرة اعتقال بحقها .. في منطقة سكنها الجديدة ،نصحها شقيق زوجها معاون مفوض شرطة المنطقة ،أن تسلم نفسها للأمن العام بدلا من أن يعتقلها الحرس القومي ، كانت جاهزة بلباسها و عدتها في الحقيبة الصغيرة المنشفة فرشاة الأسنان وبعض الحاجيات ، وصلت للأمن العام فاعتقد حراسه أنها مفتشة، دخلت للمعاون “كامل ” هكذا كان إسمه حسب ما أكدت لميعة ، بثقة حدثته أنا لميعة عباس عمارة جئت لتعتقلوني ، كانت حيثيات الحكم بهذه الفترة جاهزة بحق الناس ، جلست تقرأ الجرائد اعتقد كامل أنها مجنونة ، حين دخل طالبان من ضباط مدرسة الطيران تعرفوا عليها ،تناقشوا معها بكتابات أحدهم الشعرية ، بعد ساعة أخبرها كامل أن لا مذكرة اعتقال لديه بحقها ،فبعد سؤال شقيق زوجها أمر المنطقة الذي أخفى الأمر عنه ، غادرت لميعة مقر الأمن العام رافقها الشابان لأنها خشيت العودة لوحدها في هذا الوقت وهذه الظروف ، ذهبت لتعتقل وعادت بمرافقة عسكرية ،وجدت زوجها يقف مصلوبا على الباب بانتظارها .
غادرت بعد ذلك العراق واستقرت في الولايات المتحدة الأمريكية .

أخر عهدها بالعراق زيارة دعيت فيها لمهرجان مربد الشعري ، و كان فرصتها للقاء أمها ،انتقدت الكم الهائل من المدعوين .. والذي يؤثر سلبا على الذائقة الشعرية، خشيت عليها أمها فأوصتها أن لا تعود للعراق ثانية.

دواوينها الشعرية :
الزاوية الخالية 1960/عودة الربيع 1963/أغانى عشتار 1969
يسمونه الحب 1972/لو أنبأني العراف 1980/البعد الأخير 1988
كانت لميعة عباس فاتنة اللغة والصور الابداعية، تزداد فتنتها أكثر حين تلقي قصائدها، تملك إسلوب إلقاء جميل تتحكم وتتغنج بطبقات صوتها، ففن الإلقاء موهبة تختص بالمحظوظين ، وفي قراءة الشعر ليس بالضرورة أن تتوقف بعد الشطر الأول (الصدر)، كانت لميعة عباس تفعل ذلك أحيانا كثيرة ، تثيرالمشاعر بحركاتها و ترتشف رشفة من كأس الشاي الدائم على يمينها ،ترمق الجمهور قاطبة بنظرة كأنها تغذي غرور الأنوثة فيها ، تحرك مروحتها اليدوية بدلع فتثير الجمهور ، رغم أناقتها المتكاملة عرفت بلباسها المحتشم ، وهذا مدلول مهم أنها ترفض أن تكون سلعة ،كانت لميعة ظاهرة اجتماعية جميلة .
عرفت بروح الفكاهة فحدث موقف بينها وبين الشاعر محمود درويش ، كان تلميعة تجلس بقرب ياسر عرفات ،حدقت فجأة بمحمود درويش ،الذي تسأل مستغربا بعدها بأيام ناولته قصاصة ورق كتبت فيها:
إلى محمود درويش

أزح يا حبيبي نظارتيك قليلاً لأُمعن فيك النظر
فما لونُ عينيك؟
هل للغروب تميلان أم لاخضرار الشجر
أُحبهما، تتعرى النجومُ
بغير سحابٍ أريد القمر
فو اللهِ من أجل عينيك محمودُ
أصبحت أعشقً قصر البصر
فسألها محمود لما تنادينني(يا حبيبي)أنت تقصدينها؟

ردت لميعة : هكذا أنادي كل أولادي.

شكت ألما في عينها ، وصف لها الطبيب قطرة إسمها ” tears ” أي دموع فكتبت :
جفت مآقينا من كثر ما بكينا
جفت مآقينا فصرنا نشتري الدموع
هل تستطيع الدمعة المعارة
أن تمسح الحزن من الضلوع
……………………………………….
تقول لبغداد :
بغداد ، تائهة ٌ أنا حيرى
من بعدِ صدركِ لم أجدْ صدرا
حتى بأحلامي أ دوّرُ لا أرى
بيتاً لأهلي فيكِ أو قبرا
لا أمسي، لا تاريخَ لي فأنا
ممحوّة ٌ من عالمي قسرا
لا جارَ لي كلّ ُ البيوتِ خلتْ
مَن ماتَ مقتولاً، ومَنْ فرّا
والشعرُ، حتى الشعرُ ينكرني
إني أُجاهدُ: لا أرى شعرا
بغدادُ يا أمي أجيبي دمعتي
كيف الأمومة ُ بُدّلتْ غدرا؟
………………………………………………………….
بموت لميعة عباس فقد الأدب العربي والشارع العراقي ، الماجدة العراقية التي حملت معها إباء العراق .

عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 11331

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.