قراءة نقدية بقلم عبدالصبور السايح للقاصة المبدعة/ رجاء عبدالحكيم الفولي
تنتمي المجموعة القصصية (أرجل يابسة) للقاصة الأستاذة/رجاء عبدالحكيم الفولي إلي نوعية (الأدب الإنساني المقاوم ) ونقصد به
الأدب القائم علي استنطاق فئات المقهورين بغية حمايتهم والدفاع عنهم باعتبار أنهم وقعوا فريسة لأنواع مختلفة من القهر والذي يمثل
رضوخ الضحايا لضغوط ما أو غلبة هذه الضغوط عليهم ؛ لتسلبهم بقسوة حقوقا تخصهم في حياة كريمة.
في (البدروم) أولى قصص المجموعة نجد طفلا ألقت به ظروفه القاسية في حالة عراك يومي مع الواقع ليجني في نهاية نهاره أجرا
زهيدا وجراحا كثيرة في نفسه البريئة جزاء عمله البسيط كمنظف لسيارات الأغنياء المتقززين تكبرا من ملابسه المتسخة دون مراعاة
لمشاعر من يمارسون أعمالا شريفة تغنيهم عن التسول وتحميهم من الإنحراف.
وفي قصة (طاووس مرة اخرى) نجد لونا آخر من قهر الفقراء في تزويج بناتهم الصغيرات لكبار السن الاثرياء طمعا في عطايا عبودية أبدية
لزواج غير متكافيء متجاهلين ما لهذا الزواج القهري من أضرار كثيرة.
وفي قصة (وجه في الظلام) تصبح صرخة(.. آه يابلد) التي أطلقها رجل معدم لم يجد ما يستر به جسده الواهن من مخالب البرد
الشديد مختصرا لعلاقة المواطن الفقير بوطنه حيث يكون الحرمان والتهميش سببا للتألم والصراخ .
وهذه العلاقة ذاتها تتكرر واضحة في قصة(أعلام) التي يكابد بطلها البائع البسيط مشاعر فقدان الانتماء متمثلا في علم رفض الثوار أن
يرفعونه خفاقا عاليا أو يحرقونه ضمن ما أحرقوا من أعلام الدول الشريرة.
وفي قصة (حراسة) يتجلى واضحا قهر اللصوص لأصحاب الممتلكات،إذ يصبح الموت في سبيل حماية هذه الممتلكات أو تركها للصوص
خيارين لا ثالث لهما بما يؤطرضمنيا لشريعة البقاء للأقوى في ظل غياب حماية مشروعة لهم.
وفي قصة (جفاف) تصبح مشكلة نقص المياه تهديدا قاهرا للحياة والأحياء معا في إشارة مهمة إلي ضرورة تنبيه الوعي الجمعي الغافل
إلى خطورة المشكلة.
وفي قصة (أرجل يابسة)والتي تم اختيارها عنوانا رئيسيا لهذه المجموعة حيث يتألم الحمار الواهن صباحا وعشية بقسوة تاجر عجوز
يجره الي السوق محملا ببضاعة لا طاقة له بها دون شفقة.
و في قصة (العصاوالكفن) نشاهد صراعا حادا بين التشبث باالموروث متمثلا في العصا كمصدر للفخروالقوة وبين الكفن كنتيجة حتمية
للتكفير عن خطيئة قتل اقترفها عبدالسميع لحظة طيش .
في أولى مجموعة القصص القصيرة جدا المعنونة باسم( منمنمات صغيرة) يبدو لنا القهرمنذ السطر الأول (لماذا كلما أنجزت لي خدمة
تريد أن تنال مقابلها من كرامتي؟)
وفي القصة الثانية ( ترى كم تسبيحة تكفي لاخراجي مما أنا فيه؟)
وفي القصة الثالثة (انه يحملني كل الأخطاء التي تحدث في العالم ،يقول أنني السبب الأساسي والمباشر فيها)
وفي القصة الأخيرة نلاحظ المشاركة الوجدانية لشخص عربي منكوب في مكان ما تم هدم منزله على من فيه.
وفي قصة (عنوسة)نرى نتيجة الأعراف الاجتماعية القاسية في نظرتها الدونية لمن فاتها الزواج
وفي (سمك صغير)سخرية لاذعة من كرنفالات الحملات الانتخابية الشكلانية في قرى بائسة يفتقر معظم أهلها الي المقومات
الأساسية للحياة الكريمة.
وبقراءة بقية المجموعة سنتعايش مع ذوات كثيرة مقهورة.
لقد نجحت الكاتبة في تشخيص أبطال قصصها الهامشيين في حيوات كثيرة مختلفة الضغوط جعلتنا نقاسمهم أحلامهم البسيطة
وآلامهم الكبيرة في ظل اقصاء جبري لنفوس تكابد التتشبث بالحياة رغم كل شيء.
من هنا نستطيع ان ندرك مقصد الخطاب الأدبي لمجموعة (أرجل يابسة) والكائن تحديدا في جعل الرسالة الأدبية عموما خادما أمينا
للمطالبة بحقوق الإنسان المشروعة في التمتع بالحرية والمساواة والعدالة في بيئة تضمن له كينونة يستحقها وبراحا لامحدود يتسع
له وتسخير قدراته المختلفة بشكل أفضل .
تتميز قصص المجموعة بلغتها السهلة وأفكارها الطازجة و التشويق الجيد والواقعية الكاشفة لبيئة الشخوص وحركة الأحداث ولكننا
نلاحظ في معظم القصص حشوا لا فائدة له بل يمثل حملا زائدا يؤثر سلبا على وضوح الفكرة الرئيسية لكل نص.
لهذا يجب علي كاتب قصة قصيرة أن يبتعد عن الكثير مِن سلبيات كتابة القصة كالإسهاب والتقريرية وتفكّك النص وغياب الرؤية الفنية
والمباشرة،وعدم التكثيف وسوء استخدام الرمز لإنتاج نصوص أكثر تماسكا وأوضح فكرة وأكثر تأثيرا وروعة.
admin