(الرسالة 20) – عاطف معاوية
لم أعرف سبب غضبك في الرسالة الأخيرة ولا سبب تلك الكلمات التي كانت قوية لغةً
وصوتا وشعورا .
حبيبتي عليك أن تفهمي أن الشعراء دائما ما يكون لديهم صديقات أخريات وكثيرات من كل البلدان .
يا سارتي إن “هيام” مجرد صديقة لا أقل ولا أكثر ، صديقة فلسطينية من حيفا تقيم الآن بمصر . الشعراء يا حبيبتي منفتحون على الحياة بخربشاتها ، لديهم عشاق ومتابعون وعاشقات يرتبن الزهور بداخلهن دائما وأبدا ، لكنك القلب والوجدان يا سارة ، لهذا لا تغضبي مرة أخرى أرجوك ..!
ترددت الخيبة كثيرا في رسالتك ربما عشر مرات أو أكثر ، لكن في مقدور الخيبة التي تسكنك أن تمطر الآن أو غدا وأن تعري أشجارك التي أنبتت عمرا من الهتاف ضد صمت فارغ من الحياة ، من الأمل والمطر .
لقد اشتقت للمطر، اشتقت لهزائم الموج والغرق ولكل شيء أنجزناهُ إلا أن نصبح غيماً على الجغرافيا المتعددة المنفتحة على الحياة وعلى الموت …
سارة أفهم حنينك المفرط والمجنون لكن لا حل لنا ، لقد انتظرت مجيئك في بداية هذا العام لكن هذا لم يحدث، آمل أن يتحقق حلم اللقاء في الصيف المقبل لنندمج مرة أخرى ضد المسافات القاتلة ضد البعد والغياب . لازلت أخبر عنك الشوارع والأزقة الضيقة وأبلغهم سلامك ، حتى النوافذ المقوسة الصغيرة والأبواب المزخرفة تأخذ حصتها من السلام ومن كلماتك .
في تطوان تتغير اللغة بشكل غريب ، تأخد شكلها الأفقي وتُكتبُ بسهولة من دون شقاء الالتواء . في تطوان أيضا يتغير نبض القلب كأننا ولدنا من جديد بعمر مصنوع من نشيد المكان ، من رائحة القهوة ومن برودة زمن قديم . كلما أزور هذه الحياة القديمة تنتفض بداخلي رغبة الكتابة وأصرخ عاليا : أريد أن أكتب وأكتب .
البارحة بدأت قراءة كتاب ” رسائل إلى ميلينا ” للكاتب التشيكي “كافكا” الذي كتب معظم أعماله باللغة الألمانية ، فهو رائد الكتابة الكابوسية . تبهجني قراءة الرسائل كثيرا ، لم أفكر يوما ولم أحلم بكتابة رسالة غرامية لإحداهن ولكن معك حققت الحلم وكتبت رسائلا ضيعت طريق حقيبة ساعي البريد كما لم تأخذ حقها في الطوابع والعناوين .
إن كتابة الرسائل تحتاج لانضباط صارم مع العواطف ، مع اللغة والوقت ، تحتاج للإيمان بأن فضائح الرسائل النصية تغني الفرد أو القارئ وتسقط عنه فكرة الصور النمطية للحب . فالحب في الرسائل مختلف عنه في أرض الواقع ، لهذا فالفضائح لا تشوه القارئ ولا العاشق المتمثل في الكاتب ولا تشوه المعشوقة / المحبوبة .
لم أندم يوما على كلمة كتبتها لك داخل هذا العالم ( الرسائل) ، بل دائما ما كان يسعدني أننا مازلنا نؤمن بالرسالة والحب معا . أظن أننا جددنا العمر كله بداخلنا وانطلقنا نحو لغة سليمة تجاوزت الصعب بسهولة . إن الكتابة تشبه الولادة الأولى ؛ صعبة كتجربة وكمخاض ، مرهقة وقاسية …
حبيبتي إن فكرة “التطبيع” لازلت تمزقني ، إن خيانة ذاكرة بكاملها شيء لا يستوعبه العقل العربي والإسلامي، أن تخون شعبا وجيلا كاملا وتحذفه بسهولة بجرة قلم وكلمة، أن تخون شعراء وتقايضهم لهذا ذنب عظيم . أن تنقص من وطن انتظر عودته ، عودة الزيتون والزعتر عودة الحمام والمطر ، وطن يحلم ليلا ونهارا لاستعادة جدرانه كي يرتب ملابسه ويشرب قهوته بطعم الفجر، لكن لا أحد يفهم ما العودة ؟
إن تشويه التاريخ هو أن تطلق أو تكتب نصا عن قساوة الحرب والموت وتعنونه بالموت الأليف، متى كان الموت أليفاً جميلا ؟
كأن تقتل طفلة صغيرة في عمر الربيع تشبه وردة حمراء، شعرها قصير ممشوط كالحرير ، طفلة تحمل لعبة مصنوعة من القصب وقطعة من الثوب وتتقن دورَي الأم والأب بجدية براءة الطفولة ، تطعمها وتغطيها من البرد ، تأخذها
للحديقة وتشتري لها الحلويات ، “اللعبة الصبية” لا تبكي . أختها الكبرى تسقي زهرة الغاردينيا الوحيدة التي نجت من الجفاف العاطفي، وأمها تطهي الخبز بالفرن ورائحة الطراوة تتصاعد نحو السماء ، أما الأب فيسقي الزيتون واللحاف على وجهه والجدة تغني أشعارا للمتنبي . أليس هذا كله مناخ شعري طويل العمر لحقهم في العيش والملح والوطن ؟
الحرب يا حبيبتي هزيمة الإنسان الأولى والكبيرة ، لم ينتصر أحد : الطفلة وأختها فارقتا الحياة ، الأم فقدت بصرها ، الأب انقطعت ساقه ، والجدة تحت الرماد ، أما الجندي المحتل القاتل الوحش المغتصب لن يرحمه التاريخ .
فهل انتصر أحد ؟
على الإسرائيليين أن يختاروا قبورهم ، لم يبق الكثير لموتهم الحتمي والمضمون ، فالظالم لن يعش كثيرا كما أن الوطن لا يخون أولاده، بل سينتفض من أجلهم ومن أجل عطش الحب وحق الحجارة في البناء الذاتي . هذه كلها مصطلحات للعودة وللنصر يا سارة ، من حق كل الفلسطينيين في العودة إلى مكان ولادتهم … فهم يا حبيبتي دائما عائدون وسيعودون ..
إذا كان الكيان الصهيوني قادر على استيطان الأرض والبحر فإنه لن يستيطع “استيطان” ذاكرتنا وذاكرة الفلسطينيين والزيتون والحجارة وقصائدا كتبت بالدم .
سارتي ؛ لقد سألتني عن حالي في رسالتك ، ها أنا ذا أغير إيقاع البرد القارس بالحنين وأفتح التلفاز باحثا عن قنوات فضائية تبث مشاهداً للثلج ، إني أحبذ مشاهدة الثلج على التلفاز وأنا تحت أغطية تدفئ البرد بداخل جسدي الضعيف ؛ أُفضل الاستمتاع بالثلج من خلال مشاهدته في التلفزيون أجمل من الذهاب إليه ، ففي التلفاز أشاهده وأنا مستمتع بالدفء ومنتصر عليه لكن الذهاب له يفقدنا انتصارنا ويعوضه بالبرد والانهزام .
هذا هو الشتاء ، فهو ليس عنواناً لرسالة محمود درويش إلى سميح القاسم التي قرأناها سويا ذا صيف تحت مظلة شمسية، بل إنه شتاؤنا البارد الساخن بتجولنا ولقاءاتنا المتعددة في أماكن مختلفة ، من بليونش إلى أزلا ، هكذا كانت اللقاءات دافئة ، كانت رسائل حياة لن تُنسى .
الشتاء هو البقاء العاري أمام صور الحياة المتعددة المفتوحة على زرقة السماء وعلى صوت الريح
والبحر وعلى اخضرار الأشجار وسقوط المألوف ، الشتاء بحث عن حياة جديدة وعن مقاهي أخرى تدرك حوارات الوجود وهذا التواطؤ بين السماء والأرض ، بين حدس الطبيعة وبين أسئلة عديدة :
– ما البرد ؟
– ما الشتاء ؟
– ما المطر ؟
هذا المطر يا حبيبتي يغسل حتى القبل التي اقترفناها يوما على رصيف العشق المبتل …
admin