منصة المشاهير العرب مرخصة من الهيئة العامة للاعلام المرئي والمسموع السعودي , ترخيص 147624
واحة الإبداع

رسائل لا تحتاج لطوابع أو ساعي بريد ،(الرسالة 22)

23/ أبريل /2021
avatar admin
330
0
الرسالة 20
.

عاطف معاوية–
سارة ؛
كتبت لك دون أن أنتظر ردك على رسالتي الأخيرة.
كتبت لك لأنني على حافة البكاء والانهيار…
كتبت لك لأنني كلما أضعت الطريق جئتُ إليك …
يحدث أن تكون في الحياة هكذا بكل سهولة تمرر المساء بقطعة حلوى
وكأس شاي بقليل من السكر حتى تصلك رسالة أن الموت يتربص بامرأة تحبها
وتعزها كثيرا، مشهد تراه بعينك مرتين أو ثلاث ،
هل يصدق أحد أن المرأة التي كانت قبل ساعات بل قبل أعوام تَدْفَع عن الطريق وعن بيتها الشر
وما جاوره، المرأة التي إن جلست معها خمس دقائق ستدفعك لأن تحبها وتغمرها بقبلات وتحضنها وتقبل رأسها
وهي تحمل لك أدعية مليئة بالخير والصلاح
والفرح، المرأة التي كافحت الحياة بحياة بسيطة ،
تسرق من أيامها وقتاً للعائلة إذ كانت تزورهم في أفراحهم وأطراحهم .
هل يصدق أن المرأة نامت للمرة الأخيرة من دون
أن تعانق جسدها الذي ألفته من دون أن تطعم سربا من عصافير تحبهم؟ ،
نامت حينما تأكدتْ واطمأنت أننا قادرين أو صرنا قادرين على الفرح والحياة لوحدنا،
تأكدتْ أننا استعدنا الطفل الذي بداخلنا لنعود به للبحر ، للمطر ، للصباح وللفرح ،
تأكدت أننا سنعود لرسم الدروب الفارغة لوحدنا ولوحدنا تتهيأ لنا النهايات الحزينة
وتخرجنا من الوقت الذي في أيدينا، و تهرب منا المفردات لندرك أن الموت سرق منا عمرنا
وسرق منا تلويحة كانت ستخفف من قساوة الرحيل .
لم تجرحنا الحياة لكنها تقتلنا بأصابعها وترقص على صعوبة البكاء وما سمته اللغة بالموت.
“الغالية”..
أو خالتو “الغالية”، لنصدق الآن رحيلها ولنصدق موتها ولنصدق غيابها، لكن لن نصدق أنها لم تعد فينا ، فهي فينا ما عاشت بنا الحياة وما نسانا الموت، هي ما زلت حية في قلوبنا ، في ذاكرتنا . أتذكر زيارتها لي وأنا في مستشفى سانية الرمل ، حاملةً قلبها الطيب وكلماتها البيضاء كالفراشات ، لا زلت أتذكر مجيئها لمنزلنا حاملةً أغنية وحكايات عن تطوان القديمة وعن زمن الجوع أو عام الجوع ، وعن إسبان الملاّح في تطوان .
ها نحن في غيابها، يمتحننا الموت ولكننا لن نستسلم، لن نخاف من بندقية ولا من سكين ولا من أصابع تشنقنا بلا توقف.ونيابة عني وعنك وعن جدتي وعن كل الذين أحبوها وأحبتهم أقول لها :
كوني بخير في تربتك واعتني جيدا بالأقارب الذين ستلتقين بهم وأوصلِي إليهم سلامنا واشتياقنا، قولي لهم بأننا في غيابهم، لم نفعل شيئا سوى أننا نتذكر الماضي والماضي بلا أصوات، بصور غير مكتملة وبأيد بعيدة تبعد الضوء وتطرد الحنين منا، قولي لهم أننا هنا نحفظ أسماءهم بداخلنا كما ينبغي ونعلق رائحة الخريف على أعتاب الوجع لكي لا نصاب بالموت مرتين .
قولي لهم جميعا بأننا في زماننا ومكاننا لا نستوعب صدمتنا كلما فارقنا أحد أقاربنا وغادرنا لدار البقاء ..
” خالتو الغالية ” لا أحب الرثاء لكنني أحبك وأقبلك من هنا وأقول لك أنني كنت سعيدا كلما التقيتك وقبلت رأسك ويديك . سامحيني إن قصرت يوما في حقك ، سامحيني إن لم أكن يوما كما تمنيتِ ولكنني كنت في حضرتك مؤمن بأن النساء مثلك يمتلكن الحكمة من القمر والتراب من السفر
والمطر من حبات السنابل ومن الحياة والموت..
اليوم يا حبيبتي فقدت امرأة ليست ككل النساء ، امرأة عظيمة مدت جسدي ، ذاكرتي ، وطفولتي بالماء بالورد وبالحياة . لقد فقدتُ أخت جدتي الكبرى .
ها أنا وجدتي نشعر الآن بالخوف لكننا لن نبكي لأنها كانت لا تحب بكاءنا ، وها نحن أصبحنا يتيمين بلا حقل وبلا بيت نربي بداخله أمواجنا وحكاياتنا وبكاءنا وهشاشة عمرنا .
اليوم تعطلت الحياة وراء المقبرة لتعرف كم كانت “الغالية” غاليةً عند الحاضرين وكيف استقبلها الموتى برائحة عسل طري من يد الإله ، لم أشعر بالخوف لكنني شعرت بالموت لأول مرة ولا أعرف ماذا سأفعل الآن ؟
“الغالية” نامت وارتاحت لكن سيأتي يوم ونلتقي مجدداً ، نامت وارتاحت لأنه سيأتي يوم ونختار وطنا لنا جميعا ونصطاد لوقتنا مساحة كبيرة للفرح وللرقص ، يمكنني أن أبكي الآن فلن ينهاني أحد عن البكاء . بعد الآن من سيمسح عن جبيني وعن رأسي ماء حزني ويقبله ويقول لي حتى الصغار نقبل رؤوسهم يا حفيدي ..
نامت وإنني تالله لن أنساها .
هذا الأحد لم يكن عاطلا عن الموت يا سارة، والموت لا يصدق كذبة أبريل مثل الآخرين .
حبيبتي يغمرني ضباب من أسى وعبثية هذا الفراغ الذي عشته هذا المساء، أُصبتُ بالكآبة ، بالفشل وبكل شيء . هل من الضروري أن أبكي لعلني أرتاح وأفرغ غابات من الدموع من الانحباس .
“الغالية” التي ترقد الآن في مقبرة تطوان والتي مشيتُ وراء نعشها غير باكٍ لكنني كنتُ موغلا بالحنين لها وبالآسى، إنها ترقد حيث يرقد زوجها الذي مات منذ زمن بعيد . كان قبره يتواجد في مكان عالٍ بمقبرة تطوان إذ كانت تتفاخر بمكانِ قبرهِ ، فكلما أتت فرصة للحديث عنه إلا وقالت : (عبد السلام ديالي مدفون عالِي كاَ يْتْفَجَجْ على تطوان كاملة، فْرَحتلُو)
وهكذا ظلت إلى أن التحقت به اليوم .
قبره الآن لا أثر له ، هل تنزه حتى سقط ولم يره أحد ؟
وهل عثرت عليه اليوم وقبلت يدهُ وقَبل رأسها؟
لقد رحلت مع الراحلين ليرسم لنا الموت في قلبنا أثرا آخر للوجع ، للحنين!
رحلت وبقيتُ وجدتي شاهدين على حياتها ، صمتها، حكمتها ، صبرها وعلى حبها وقلبها الواسع الأبيض، شاهدين على موتها، وللموت صوت الصمت، ولها الفردوس الأعلى ، ولها الرحمة والمغفرة والسلام..
ولنا لا شيء سوى مقعدين واحد لنا والآخر للوداع للبكاء ..
حبيبتي آه من الرحيل ، آه من هذا الطريق الطويل، من هذا السفر …
آه من الموت والموت والحياة …!
عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 11331

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.