كتب : الدكتور طلال عبدالمحسن النزهة
الشتاء قادم ، أزقة مرعبة وليل مخيف، وبرد قارس وحبات المطر وصوت لحفيف سقوط الثلج بلا رعد وغاب البرق من سماء ملبدة بالغيوم،
والكلاب الأهلية استكانت تحت مراقبة أنظارها بالحراسة وحاسة الشمس.
الساعة العاشرة ممنوع الأصوات في سكنك لا موسيقى ولا ضحكات ولا والحديث خافت وأي تجاوزات دقائق والباب يطرق عليك، رجال الشرطة يقفون أمام الباب،
شكوى من أحد الجيران بسبب الإزعاج الذي صدر منك بعد الوقت المحدد، تستلم ورقة عليها التاريخ والوقت لتراجع المحكمة في محاكمة خرق القوانين وإزعاج الجيران،
فأما مذنب أو بريء وعليك أن تتحمل عقوبة القاضي الذي يقررها دون إستئناف.
مصعد داخله لوحة ممنوع حمل الحيوانات الأليفة داخل المصعد فقد تسبب بعض الحساسية لسكان العمارة،
وتصعد مع قطتك ولكن تتفاجأ بصعود جارك الملاصق لجوار شقتك، يبتسم لك،
ويقول لك قطة جميلة جدا يسألك عن إسم القط وتفرح بمجاملة جارك ، وتصل سويا للطابق الذي تسكنان به،
بكل ود وإبتسامة يقول لك ليلة سعيدة ويودعك بإبتسامة، في اليوم التالي تستلم دعوة لحضور المحكمة بسبب تجاوزك صعود القط المدلل معك في المصعد المحظور،
وتقابل جارك الخصم وهو يبتسم لك ويرحب بك في المحكمة، وتحمل معك العقوبة وتخرج من المحكمة لتقابله مرة أخرى داخل المصعد بدون قطتك، فيسارعك بكلمة مرحبا، كيف حالك، يوما سعيدا.
أزقة الرعب والخوف والقلق تبدأ كل ليلة عندما تدق ساعة المساء، وتطالع من نافذة غرفتك الزجاجية، الثلج يهطل، وصوت الريح يكاد يصرخ،
وترى الأشجار التي كانت قبل أيام في عنفوان إخضرارها أصبحت مغطاة في الثلج الأبيض، والأرض بيضاء والسماء ملبدة بالغيوم،
صمت داخل صمت كأنه عمق له صوت يبدأ من نافذتك ويغيب بالأجواء.
أزقة ضيقة يزداد ضيقها في المساء، تسمع بذاك الصمت دقات قلبك، وتشعر بثوان ساعة معصمك،
وتبتعد عن النافذة خائفا مرعوبا مرتعدا وكأنه هدوء قبل العاصفة، أو خطوات إجرام لشيطان يقترب نحوك ليخترق النافذة،
وتهرب بعيدا لتتأكد أن باب شقتك تم إقفاله بعدة مزاليق من الأعلا والوسط حتى مخمص الباب،
وتقفل غرفة نومك وكأن لحافك الحارس وانت تحته تقول متى يأتي الصباح.
الساعة السادسة والنصف صباحا والأجواء كما هي ولكن تسمع أصوات المصعد، وحركة السكن
قد بدأت، وتطالع من النافذ لقد بدأ القلق ينسحب من داخلك، وتتناول قهوتك قبل الإفطار،
إنها الساعة الثامنة صباحا، الشارع جميل، والسيارات تتحرك من مكانها، وضوء النهار بغيمته البيضاء تبشرك بيوم جديد،
وتسمع مزاليق الأبواب للشقق المجاورة بدأت تنفرج وكلمات كلها تقول صباح الخير،
اتمنى لك يوما سعيدا، وتخرج من شقتك لتقضي يومك في الشوارع الواسعة بحركاتها وناسها،
ولكن في المساء تعود لرعبك الليلي في تلك الأزقة الضيقة التي يختلف نهارها الزاهي عن ليلها المخيف،
وتقرر أن تبتعد عن العيش في الأماكن والأزقة الضيقة التي تصيبك بالإكتئاب ليلا، وبروعة النظام والتعامل في النهار.
ليس من الضروري أن عشت هذه التجربة في تلك الأزقة، ولكن بعض الناس يعيشون في مساحات الطرقات الوسيعة
وقد سجنوا أنفسهم بخوف ورعب وقلق دون أن يكون لخوفهم مبررا لتلك المخاوف،
فهؤلاء فقدوا امسهم، وعاشوا يومهم بالقلق، وينتظرون الغد، ولن يأتي الغد وهم على هذا الحال.
admin