أشدّ أنواع الشوق حرقة… وأقواها لهيباً… وأطولها عذاباً… وأمرّها لسعاً… أن تشتاق لذلك الذي هو عندك وليس عندك…
لذلك الذي تريده وليس بوسعك أن تكلِّمه…. تراه أمام عينيك مسجى ولا تستطيع أن تأخذ منه ما كنتَ تأخذ… قريباً منك وهو بعيد… ينسل من بين يديك وأنت تنظر إليه وجهاً لوجه!!. مثلما ينطفئ المصباح الوحيد عندك وأنت في أمس الحاجة إليه! إذا أقبلت توجّعت وإذا أدبرت تمزقت.. وفي كل اللحظات تحسّه ولا تجده.. وفي كل اللحظات تشتاقه ويرتد شوقك إليك كطعنة غدر فيها كل لواعج الانكسار وكل آلام الفجيعة! ها هو على سريره بعينين مفتوحتين وقلبك يلامس قلبه لكن كل ما كان لم يعد كما كان!
الشوق لمحبوب جفا… أو عزيز غاب… أو غالٍ مسافر.. شوق مقدور عليه لأنه شعور طبيعي يأتي نتيجة للبعاد المحتوم وما أن ينقطع السبب ويجتمع الشتيتان حتى تبدأ الساعات تسجل أحلى لحظاتها ثم ترتوي النفس التي كانت ظامئة… وتنتهي القصة… لينطفئ شوق… ويبدأ آخر جميل الوخز وليس مثل ذاك وخزه دامي!!! ليس مثل ذاك الشوق الذي بلا حل!!! مشتاق وشوقك بين يديك لكنه ممنوع من الصرف… ممنوع من التداول… ممنوع أن تقول بملء ما فيك من إحساس (وحشتني)!!! تقترب.. وتقترب أكثر… والحاجز يزداد أكبر… والشوق فيك وهو أمامك.. الاثنان معاً.. لكنهما كخطين متوازيين مهما امتدا لا يلتقيان!!!
آه.. يالوعتي….
علاقات… تتفرد تبقى فينا حية غير قابلة للفناء مهما اجتاحتها عوامل التعرية ومهما ألمّت بها عواصف الحرمان… تبقى فينا حيّة باقية كأنها للتو نضجت.. وللتو تعملقت! من يعلمني… كيف نقوى على طي صفحة عطاء كان أجمل الصدق الذي عرفناه!
كيف ننسى رجفة ذلك الإحساس الطري الذي لمسناه من يد مرت علينا ذات ليل كان طويلاً لتمسح من فوق صدورنا ثقل عبء حملناه… أو تجفف على وجناتنا مُرَّ دمع ذرفناه أو تذود عنا بلمساتها قلقاً كرهناه!
من يعلمني.. كيف نعطي ظهورنا لأمس ما زال في الذاكرة.. وما زال كل يوم جديد يعود بنا إليه.. يعود بنا إلى الأمان الذي نفتقده الآن.. ويعود بنا إلى الاحتواء الذي نفتقده الآن.. ويعود بنا إلى السكينة التي نبكي فقدها الآن!
المكان هو المكان… لكنني فيه غريبة…. توحشني طلتك في الزوايا كلما اتجهت بوجهي…. يوحشني البوح إليك… فبعدك كلما أشرقت شمس أظلمت عندي الحياة!! ها أنا وحدي وألف ألف هم يقاتلني… وسلاحي الذي كان أنت… اليوم من لي؟!
ألف ألف جيش هم… وأنا امرأة كل ما عندها شوق إليك!!!
@ عجيب هذا الإنسان…. يقاوم الانسحاب بالحضور…. كان يجر الكلام جراً.. يسألني… وش أخبار عرفات!!
لا يكفينا وجعنا.. حتى مرضانا الأعزاء لا يسألون إلا عن عرفات… حاولتُ أن أطفىء نور التلفزيون… فاستيقظ مرة أخرى يسأل… وش صار على عرفات؟!. تضاحكت معه.. أبي لستُ باول ولا زيني…. لكنه بخير! ابتسم رغم كل شيء وعاد يسأل… اليوم تمت عملية فدائية جديدة؟!!
أجبته وقلبي يتفطر….. لا تسمعنا أمريكا تقول عنا إرهابيين!!!.
كنتُ أحاول الخروج به من الحصار… وكان يحاصرني بالسؤال!! وأدركت ليس عرفات وحده محاصراً…. كلهم معه…. حتى ولو كانوا مرضى! وهذا هو واحد من المتجذرين بالأرض المنتمين للشرف المتواصلين مع الدين والعروبة يأبى أن يتذكر أنه هو محاصر بالآه… وبالصمت الثقيل.. وبالوجع.. وبدموعنا… وينسى كل ذلك ويذكر عرفات… وقلب فلسطين هل لا زال ينبض؟!! ويجيب هو على السؤال… القلب السليم لا يخاف إلا من الله.
الوجع الفلسطيني ليس زائراً في بيوتنا إنه مقيم بيننا.. يأكل معنا من موائدنا وينام على فراشنا… ويدخل حتى حجرات مرضانا!!…. كان التلفزيون أداة تسلية في المستشفيات اليوم في حياتنا نوع من أدوات التعذيب!
وتتلاصق الهموم وتلتصق بنا.. حصار يفرضه المرض… وحصار يفرضه عدو… والاثنان شبيهان.. كلاهما عدو خبيث!!!!
كل من له أب وينسى أن يستطعم الحياة معه… إنسان محروم!!.. ولن يعرف الجاحدون… مرارة الحياة إلا إذا فقدوا آباءهم عندئذ يتمنون لو أن كل ساعة كانت التحاماً باراً… لقد كان أمسي.. ويومي……. هو…. وأي غدٍ أنا فيه هائمة… وأصعب مراحل العمر.. أن تنتقل من مرحلة إنسان.. إلى مرحلة هوام…..
بالله عليك…. لا تتركني وحدي!