Ahmad_M_Al أحمد محمد على
تظُنُّهُ_من_دفءِ_قلبهِ_أُمّاً
كانَت أمنيةُ أمِّهِ أن تراهُ يرتدي بدلةَ عُرسِهِ ، و تحتضنَ أحفادَها بذراعيها المُثقَلَتينِ ببناتِ الدّهرِ .
ليُسارعَ التّرابُ باحتضانها قبلَ أن يتمكّنَ ابنُها من الفرارِ من فانوسِهِ ليُحقِّقَ هذهِ أُمنيةَ والدتهِ الوحيدة .
لكنَّ هذا لم يقف في وجهِ تحقيقِ تلكَ الأُمنيةِ ، فقد تزوّجَ الفتاةَ الّتي أحبّها أربعةَ أعوامٍ بشغفٍ فاقَ توقُّعاتِهِ ، و كانَ يَعْزِي السّببَ في ذلكَ لرضى أمّهِ عن هذا القرانِ و محبّتِها لزوجتهِ فارتاحَت ذاتُهُ و أشرَقَت ابتسامةُ الطّمَأنينةِ على شفتيهِ . و بعدَ زواجهِ بأشهُرٍ قليلةٍ حمِلَت زوجتُهُ و أنجَبَت طفلاً أسمياهُ ” قَدَرْ ” .
بعدَ مُدّةٍ وجيزةٍ أُصيبت بمرضٍ عُضالٍ دفَعَهُ لبيعِ أرضهِ الّتي يسترزقُ منها بدايةً ، و العملِ بالأُجرةِ ثانياً ، و بيعَ منزلِهِ في النّهايةِ لتأمينِ تكاليفِ جرعاتِ العلاجِ الكيماويِّ ، و قد أمضى عشرةَ أيّامٍ ينامُ في المشفى جانبَ زوجتهِ إلى أن شاءَ ” القدر ” أن تلتقيَ والدتَهُ و تتعرَّفَ عليها في مكانٍ أفضل من العالمِ السّفليِّ ( و المقصود عالمنا فليس هناكَ بعالَمٍ أسفلِ منهُ ) .
بعدَ ذلكَ رُميَ _ و قدَرُهُ _ في شوارِعِ المدينةِ لينهشَ القَدَرُ روحيهُما الباردَتينِ محاولاً جمعَهُما بأحبابِهما .
لم يكُن لهُما من مأوى يستكينانِ إليهِ سوى تحتَ الجسرِ المُعلّقِ يبيتانِ تحتهُ ليلاً تراهُما المارّةُ و تُطَبطِبُ عليهما نظراتُ الشّفقةِ من جثّتينِ هامدتينِ بقيَ منهُما صورةُ أبٍ يحتضنُ طفلاً ذا أشهُرٍ تسعةْ .
كانَ يعتمدُ على صدقاتِ الأغنياءِ الّتي تُرمى في وجههِ كأنّها قطعُ جمرٍ تكوي روحَهُ فيُبلسِمُها بكاءُ ابنهِ على ذراعِهِ مراراً ؛ إذ لم يقوَ على العَملِ بعدَ أن نالَ التهابُ المفاصلِ من مفاصلِهِ و مفاصلِ الأملِ المتبقّيةِ لهُ في هذا العالَمِ .
كانَ يشتري بما يأتيهِ من مالٍ طعاماً يأكلُ منهُ حَذَرَ ما يُبقيهِ حيّاً و يُطعِمُ ما تبقّى لطفلهِ وسطَ ذهولِ المتجوّلينَ رُغمَ غزوِ الشّفقةِ قلوبَهُم .
و بما ادّخَرَهُ من نقودٍ اشترى غطاءً سميكاً يقطِنُ في جوفهِ ليحميَ ” قَدَرَهُ ” من صقيعِ الشّتاءِ المُرِّ .
استطاعَ الصّمودَ حتّى بلَغَ ” القَدَرُ ” السّنةَ و النّصفَ من عُمرهِ ليستيقظَ والدهُ يوماً فيجدَهُ واقفاً أمامَهُ يُصفّقُ مبتسِماً بسنّينِ اثنينِ توسّطا بنورِهما في قلبهِ عتمةَ الدّنيا و ما فيها .
و في ذاتِ اليومِ مساءً كانَ المرضُ قد نالَ من بقيّةِ جَسَدِهِ و ألقى بروحهِ في دائرةِ الاحتضارِ ليحتضِنَ ولَدَهُ و يستقلَّ غطاءَهُ إلى عالَمِ الأمانِ المُزيّفِ لصغيرهِ بضعَةَ ساعاتٍ قبلَ إشراقِ الشّمسِ مُعلنةً غروبَ آخرِ آمالِ ” القَدَرِ ” المتوقّعةِ .
و بعدَ مرورِ خمسٍ و عشرينَ سنةٍ بالتّمامِ و الكمالْ …
ها هوَ ” القَدَرُ ” يقفُ فوقَ ذاتِ الجسرِ ممسكاً يدَ فتاةٍ عشرينيّةٍ تصغُرُهُ سنةً أو اثنتين ، تُشبِهُ أمّهُ الّتي لم يَسَعهُ التّشبُّثُ بحُضنِها يوماً ، حاملاً بيدهِ الأُخرى طفلةً صغيرةً لطيفةَ السِّماتِ ، مُتَّجهاً أسفلَ الجسرِ لزيارةِ المنزلِ الّذي احتضَنَهُ _ و والدَهُ _ إلى حينِ وجدوهُ يوماً غارقاً في بُكاءٍ هيستيريٍّ بينَ يديّ جثّةٍ قد صَمِلَت ذراعيها لتُصِرَّ على احتضانِ ” القدرِ ” رُغمَ هجرِ الرّوحِ لها ، لتحتضنهُ دارُ الأيتامِ حتّى غدا قادراً على الوقوفِ في وجهِ سيولِ الحياةِ بصلابةٍ قُدَّت من مَصرَعِ والديهْ في سنٍّ مُبكّرةٍ .
رُبّما استطاعَ ” القَدَرُ ” الكونيُّ التّفريقَ بينَ الأُمِّ و ابنها ، و الابنِ و زوجتهِ ، ليجمعَهُم ثلاثَتَهُم من جديدٍ في غيرِ عالَمٍ ؛ لكنَّهُ عجزَ عن لمِّ شملِ العائلةِ كاملةً فكانَ ل ” قَدَرِ والدَيهِ ” كلمَتُهُ في مُعاكَسةِ ” القَدَرِ ” ليبقى حبيسَ هذا العالَمِ مع زوجةٍ و طفلةٍ نذَرَ حياتَهُ لإسعادِهِما سالكاً دربَاً رَسَمَها والدُهُ ذاتَ يومٍ تحتَ جسرِ المدينةِ وسطَ صقيعِ الشّتاءِ بألوانِ الدّفءِ و الحنانِ و قُدسيّةِ الشّيءِ ، فإذ ما رأيتَهُ ” تظنُّهُ من دفءِ قلبهِ أُمّاً ” .
Ahmad_M_Al
admin