الخيط الرفيع..
الكاتب/أحمد بركات
الخيط الرفيع
للإجابة عن سؤال الثلاثاء
في وقفة تأمل صادقة لحياتك.. هل تستطيع أن تجزم أنك شخص إيجابي؟
وللإجابة عن سؤال الإثنين من شخبطة كل أسبوع والذى يقول فيه أحد المتابعين كيف أكون إيجابيا في مجتمع السلبين؟
إن الخيط الرفيع بين السلبية والإيجابية يظهر في قول الحق سبحانه وتعالى:
“وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ”
فأصحاب المهج السلبي هم من قال لم تعظون، وأصحاب المنهج الإيجابي هم من قاموا بالوعظ والتوضيح، فاختاروا الإيجابية رغم أن القوم الذين وجهت لهم النصيحة، لم يستجيبوا لتلك النصيحة وتحولوا إلى قردة وخناذير، ولكن لا يشترط أن تثمر الإيجابية عن نتائج؛ فأفضل نتائج الإيجابية هي نتيجة تتحقق داخلك.
والنتيجة الملموسة هي النجاة قال تعالى “فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ”.
فكانت الإيجابية سببًا في نجاتهم، وبعيدًا عن نقطة الخلاف في وضع القوم أصحاب المنهج السلبي، فيكفينا أننا تيقنا من نجاة أصحاب المنهج الإيجابي.
وتتعدد أشكال السلبية؛ فقد تكون سلبية في الفعل وقد تكون سلبية في رد الفعل مما يدعونا لنسأل سؤالاً هامًا هل تعتقد أن هناك علاقة بين السلبية والمُعتقدات الراسخة؟
هل عندما يتكشف لديك شيئًا إيجابيًا يهدم معتقدًا راسخًا لديك هل ستقدم السلبية على تلك المعتقدات أم ستختار أن تكون شخصًا إيجابيًا وتبحث في تغير تلك المعتقدات؟؟
إن دعوة الأنبياء للحق ولتوحيد الله هي أفضل مثال للإيجابية ورد فعل أقوامهم المعادية هي مثال صريح لسلبية تلك الأقوام.
قال نبي الله نوح عليه السلام “وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا”
إن دعوة الأنبياء لأقوامهم هي مثال للإيجابية وهروب أقوامهم ورفضهم التفكير وبحث منطق هذه الدعوة وتقديم المعتقدات الراسخة على التفكير العقلاني هو أكبر مثال لتلك السلبية.
إن كفار قريش اختاروا سلبية التفكير فقالوا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم حين دعاهم لترك ما يعبد أبائهم وتوحيد الله “وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ”.
فقدموا السلبية على إيجابية التفكير، وكان الأقرب للمنطق أن يكونوا إيجابين في تفكيرهم فيقولو اللهم إن كان هذا الحق من عندك فاهدنا إليه.
وهذا يؤكد أن السلبية تطغى على التفكير وترسخ للمعتقدات الخاطئة، فهي داء خطير قد يقضي على الإنسان في الدنيا والأخرة
“فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.
إن التوبة إلى الله هي قمة الإيجابية، فهي موقف إيجابى تجاه خطأ وقعنا فيه والتسويف هو رد فعل سلبي تجاه خطأ كنا السبب فيه
قال الله تعالى “وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”.
وهناك سلبية في رد الفعل حتى لو تمثل رد الفعل في عدم الرغبة في الفهم كقول قوم نبي الله شعيب “قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ”
“مش فاهمين ومش عايزين نفهم” ومثل هذه الشخصيات تملأ المجتمعات.
وأجمل مثال لتلك الإيجابية هي موقف نبي الله موسى في تجاربه الثلاثة مع الخضر عليه السلام
خرق الخضر السفينة لحكمة يعلمها الله فقال موسى “أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا”
وقتل الخضر الغلام لحكمة الهية فقال موسى “أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا”
وبنى الخِضر جدار بدون مقابل لقوم لؤماء فقال موسى “لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا”
إن ترك المظلوم يواجه الظالم دون محاولة رد هذا الظلم وأنت تستطيع هو سلبية، وترك القاتل يقتل وأنت تملك منعه وردعه هو جريمة تبدأ بسلبية رؤية آلام الناس وعدم التفاعل معها سلبية.
يقول الدكتور إبراهيم الفقي: من المحتمل ألا تستطيع التحكم في الظروف، ولكنك تستطيع التحكم في أفكارك، فالتفكير الإيجابى يؤدى إلى الفعل الإيجابى والنتائج الإيجابية.
إن الخيط الرفيع بين الفعل ورد الفعل هو خيط يعبر عن حقيقة كون إنسان سلبي أم إيجابى؟!
الإدمان هو نتاج السلبية والهروب والسرقة هي نتاج السلبية والاستسلام
لكن الإسلام هو دين الإيجابية والنبي محمد هو الأكثر إيجابية على مر تاريخ البشر، كما أن جميع الأنبياء والرسل كانوا ومازالوا هم الرمز الحقيقي للإيجابية في تعاملهم مع أقوامهم وقت أن اختار غالبية تلك الأقوام السلبية تجاه تلك الدعوات، وستظل تلك الدعوات الإيجابية إلى أن تقوم الساعة كما سيظل هناك سلبيون يعادون تلك الدعوات.
حينها سيكون الحب هو رمز ودليل يعبر عن الايجابية وستكون الحكمة هي كلمة السر في إظهار تلك الإيجابية.
وهذا لن يغير حقيقة أن المواجهة هي أفضل السُبل للتعبير عن الإيجابية شريطة أن تقترن بالحكمة كما أن الهروب هو موقف ضعف يختاره إنسان اعتاد على السلبية حينها سيكون اختيار الحلول البديلة في علاج المشكلات قمة السلبية، وسيكون اختيار الحل الحاسم وإن كان مؤلمًا لكنه الأكثر إيجابية.
يقول العبقري ألبرت أينشتاين: إبقى بعيدًا عن الناس السلبية فهم يمتلكون مشكلة لكل حل.
الحقيقية أنه ضاع مِنا الكثير مِن العمر في الحلول البديلة لأننا فقدنا المواجهة بقرارات حاسمة فالحل بقرار حاسم رغم قسوته ومشقته هو أفضل بكثير من الحلول البديلة التى لا تعالج مشكلة ولكن فقط ترجؤها فيتمخض لنا عن تلك المشكلة عدة مشاكل يصعب علاجها.
الحقيقة أن أصحاب الحلول البديلة يجب أن توجه لهم تهمة السلبية؛ فاختيار الحلول البديلة ليس هو الأفضل، بل قد يكون الأفضل ترك المشكلة بدون حل؛ لتعلن عن نفسها كمشكلة ظاهرة تحتاج إلى حل.
والآن هل تعتقد أنه يمكنك أن تكون شخص إيجابي ؟
واحذر أن تجيب بسرعة فالتفكير دائمًا هو لغة الإيجابين التي تسبق قراراتهم والتسرع هو لغة السلبيون الذين اختاروا تجنيب العقل والحكمة. أو كما قال ديل كارينجي: الإيجابي هو شخص لا تنتهي أفكاره والسلبي هو شخص لا تنتهي أعذاره.
انتظرونا الخميس من كل أسبوع في سؤال ومقال،
وتذكر أن الكلمة رسالة.. فلا تجعلها تقف عندك
تحياتي_لأصحاب_العقول_الراقية
admin