شعر وإحساس وشعور يتدفق، ومعاناة تصل بنا إلى لحظة نستشعر فيها صدق المشاعر.
في زمن الشعر، نجد الآه والتأوه والمعاناة التي تأخذنا إلى عالم من الجمال العاطفي الذي يجسده الشاعر في النص الشعري، ولكننا في ذات الوقت نجد أن هناك فرقاً في تلك المعاناة من شاعر لآخر بل من جيل من الشعراء إلى جيل آخر من جيل شعرائنا ..
قديماً كانت تلك الآهات أقرب إلى الحقيقة منها الآن وكانت تلك المعاناة أقرب مصداقية وعاطفة..وعندما نطرح موضوع الخيال في ا لشعر فإننا بذلك نريد الوصول إلى حقائق علمية أوضحتها لنا دراسات علماء النفس من خلال الخيال..الإبداع..العاطفة والإرتباط بينها من خلال النص الشعري، وهذه بالطبع نجد أنها سلسلة مترابطة قد لايعيها الجميع من متذوقي النص الشعري.
شعراء أبدعوا حد الإبداع وجسدوا تلك الصور الإبداعية في أعذب المعاني والصور وأخذونا بها إلى عالم من خيالاتهم الواسعة.
إننا عندما نتحدث عن الإبداع ومدى إرتباطه بالخيال لدى الشاعر فهذا يعني أننا لابد من الوصول إلى العمق الفكري في بناء النص الشعري وذلك من خلال الإبداع الذي يترتب عليه نوع من التفكير الذي يتصف بالأصالة والطلاقة والمرونة، فالطلاقة مثلاً في البناء النصي الشعري هي القدرة على إنتاج عدد كبير من الأفكار في فترة زمنية معينة وهناك أيضاً الطلاقة اللفظية والتي تتمثل في القدرة على سرعة إنتاج أكبر عدد من الكلمات التي تستوفي شروطاً معينة، ومن المحتمل جداً أن يكون هناك عامل طلاقة في الموهبة الإبداعية.
كثير من الشعراء قدموا النص الشعري المبدع الذي يتكىء على روح الجمال والروعة، وكثيراً ماقرأنا تلك النصوص التي أخذتنا إلى عالم من الخيال الواسع الذي جسده أولئك الشعراء والذي جاء فيه الإبداع متميزاً يقول الشاعر الكبير محمد العبدالله القاضي :
ألا ياحمام ناح في راس مانبا
بالألحان مطربني على النايف العالي
ترنم هداك الله وأطرب وغن لي
ولاتنتحي يالورق عن مسكن الغالي
مباني قصور حلها كلما زها
من البيض ماعنها غريم الهوى سالي
في هذه الأبيات نجد صورة إبداعية من خلال الخيال والوصف المبدع الذي أراد به الشاعر بث شكواه لنجد مدى ذلك الارتباط الوثيق بين خيال الشاعر وطريقة صياغته الإبداعية من خلال المفردات التي بها معاني جميلة وعذبة أخذتنا إلى عالم واسع من العذوبة. وهنا نستطيع القول أن العملية الإبداعية تلك التي بها خيال شعري رائع ماهي إلا نتاج عامل الطلاقة في الإبداع، إضافة إلى أن الخيال هنا هو قدرة الشاعر على التفكير على نحو تخيلي أو تصوري.
وفي قصيدة أخرى يقول :
إن قلت أبا أسلا عنه هذا محالا
لا والذي نزل تبارك والأنفال
إنه على الناظر مديم الخيالا
وإنه بقلبي دايم الدوم نزال
جاش العنا فيه مثل الهبالا
من فقد من لولاه ماني بذا الحال
مازلت في غي الهوى باعتزالا
عن لوم لوام وعن عذل عذال
هنا أيضاً نجد أن هناك تحديداً لعملية إبداعية نفسية في داخل الشاعر يطلق عليها عامل الأصالة والتي هي قدرة الشخص على إنتاج أفكار تستوفي شروطاً معينة في موقف معين كأن تكون أفكاراً نادرة وماهرة وجديدة. ومن هنا أرى أن شاعرنا يريد أن يحدث شيئاً جديداً، وهذا ماأشار إليه (فروم)(1) عن الإبداع وهو يعني خلق شيء جديد يمكن أن يراه ويسمعه الآخرون كأن يكون شعراً مثلاً.
إن إبداع شعراءنا القدامى مازال حتى وقتنا الحاضر واضحاً من خلال ماتركوه لنا من نصوص شعرية مبدعة مازالت متناولة حتى الآن.
وعلى أن الخيال يطغى على معظم النصوص الشعرية إلا أنه وفي نفس الوقت يعطي النص الشعري جمالاً وعذوبه خصوصاً إذا كان النص الشعري عاطفي وفيه آهات وألم وحزن وشوق، ومن هنا نجد أن أغلب نصوص شعرائنا القدامى بالذات تتسم بتلك السمة الجميلة ولذلك فإن القارئ والمتذوق للنص الشعري نجده يبحر كثيراً في المعنى يقول الشاعر تركي ابن ماضي في إحدى قصائدة الرائعة :
وخصر نحيف هاف كالروح وإن مشا
من الترف مهضوم له الردف ميالي
لعوب إلى شديت بالكف زلفها
مزوح هواها طموح عن التالي
هنا وصف ممزوج بالوجد الذي يختلط به التفكير الإبداعي عند الشاعر، لأنه هنا قد اختار مفردات هو يريدها وبما يسكن في داخله من ألم ووجد ووصف ليصل إلى تلك العشيقة وهذا بالطبع نستطيع أن نسمية (نتاج إبداعي)وهنا يرى(جيلهولي)(2) أن الإنتاج الإبداعي يمكن أن يكون قصائد أو نظريات علمية أو اسم أوتقدماً تقنياً وكل هذه الإشياء تتميز بالحداثة والاتقان معاً لكي تكون ذات قيمة.
وعلى أننا في ساحة الأدب الشعبي نقرأ العديد من النصوص الشعرية إلا أننا مازلنا نبحث عن النص المبدع أو بمعنى آخر نبحث عن الإبداع التعبيري في النص الشعري الذي هو : أكثر الأشياء أهمية في التعبير الإبداعي وهو يشتمل على مهارات تعبيرية مستقلة. كذلك نبحث عن الشاعر الذي يملك تفكيراً إبداعياً يصل إلينا من خلاله بنص شعري راقي يجعلنا نستغرق كثيراً في قراءته وتذوقه، فالشاعر المبدع هو الذي يعي حاجتة للإبداع ويدرك ذلك من خلال صياغته للنص الشعري الذي يمتزج بخياله الواسع وتصوراته بما فيه من آمال وآلام وتأوهات خصوصاً في الشعر العاطفي الذي أثبت أنه ناجح خصوصاً عند شعرائنا القدامى الذين يستلهمون أحاسيسهم من بيئتهم التي أعطتهم جزأ من الإبداع الذي تركوه لنا في الوقت الحاضر من خلال قصائدهم العذبة.
كذلك نجد أن هناك عاملاً هاماً في نتاج ذلك الإبداع لدى الشاعر وهو (الحس)الذي يصل به الشاعر إلى الإبداع، فقد وصف (كلارك) الإبداع على أنه أستغراق في الحس ويقوم بتلخيصة على النحو التالي :
الانفتاح على الخبرات والأفكار الجديدة والقدرة على الإدراك المتجدد والإنجاز البالغ للعمل والقدرة على قبول الصراع والتوتر وقد وصف (ديفز) الشخص المبدع على أنه الشخص الذي تتوافر به العديد من الصفات منها علمه بالإبداع ومستقل ويثق بنفسه ولديه طاقة عاليه ومتحمس وتلقائي ومغامر ومجتهد ولديه حس جيد. ومن هنا فإننا نلاحظ أن أغلب تلك الصفات تنطبق على العديد من الشعراء من خلال نصوصهم الشعرية التي بقيت عالقة في الأذهان ومازالت متداوله.
وبعد فإن العملية الإبداعية وإرتباطها بالخيال تجعلنا نتعمق أكثر خصوصاً أثناء قراءاتنا للنصوص الشعرية التي يجب أن نقرأها بتمعن وتحليل لنصل إلى مايريده الشاعر، لأن القراءة لها أساسياتها وقواعدها.
(1)،(2) التفكير الإبداعي بين النظرية والتطبيق
د. عبدالله الصافي
admin