لا تعرف قلبك حتى تفشل في الحب
الحب في الشعر العربي معجزة تحتاج إلى التأمل والإعجاب

مدخل:
ناس تشيل (البغض) ما هم خفيين
القلب فيه الريب لو يضحك الناب
محدي الهبداني الشاعر والفارس صاحب الرؤى الفكرية والتطلعات التقدمية، صاحب الآمال والأحلام الكبيرة التي سعى من أجلها وعاش حياة التنقل بحثاً عن اليوم الذي يسود فيه ويحقق تلك الأماني، ولأنه هكذا فقد عاصر الكثير من الأحداث التي أعطته مخزوناً معرفياً وفكرياً جعله يستمد الحكمة والقوة في كل قصائده وفي هذا البيت يؤكد أن أصحاب القلوب المريضة والبغيضة لا يمكن لها الحياة إلا وهاجس البغض يتغلغل في شرايينها لكل ما هو جميل وينفث بطرق وأساليب عديدة!
وأنها دعوة صادقة لرمي هذه العادة السيئة أو الطبيعة غير المهذبة التي يسكن في أعماقها البغض وليحل محلها الحب لا سواه.
فالحب هو ذلك الشعور النبيل والعميق والخفي الذي يصول ويجول ويتغلغل في خفايا الروح حتى تشك أن كل ما فيك يغني ويحلق في فضاءات الكون بأحاسيس ومشاعر فياضة وجياشة ترتقي وتسمو عن الصغائر فقد سحرت بالحلال من عذب الكلام وهامت مثل الصقور محلقة في تأملات اليقظة ورغماً عنك يمتد الحب ويتسلل إلى قلبك ممتلكاً الروح والوجدان أنه وباء لذيذ يصيب الجميع دون استثناء ونقر به وقلوبنا دامية وعقولنا ولهى وظمأنة لإطلالة أو همسة بل وأن من قناعة المحب رضاه بطيف محبوبته العابر!
وقالوا في الحب أجمل ما في الدنيا. وأضافوا: الحب والرغيف والحرية وكذلك الإهمال يقتل الحب، والنسيان يدفئه وهو لا يقتل أحداً إنما يعلقه بين الحياة والموت، لذا قال أحدهما أنت لا تعرف قلبك حتى تفشل في الحب، وهناك من يرى بوجهين الغيرة هي الوجه المظلم وقبل الأخير الدموع تروي الحب والبسمات تنعشه وهو الذي يجعل الإنسان العادي شاعراً، والشاعر مجنوناً، حتى وإن (توهق) بمن هي دون مستوى أمانيه يبقى الحب هو المسيطر وهو من يرسم الصورة:-
الحب عظم صورتك في خيالي
وإلا أنت ميت قلب ما عندك إحساس
ويرى الأستاذ بندر عبدالحميد أن الحب العربي في الشعر والحكايات معجزة تدعو إلى التأمل والإعجاب معاً، وتدعو إلى الرثاء في غيابها كظاهرة حضارية باهرة، وفلسفة حية، لم تعد ماثلة في حياتنا المعاصرة، من الداخل والخارج اليوم.
كان البدو الطالعون من سراب الصحراء والأودية يزرعون في دروبهم شعراً وأساطير حب خالدة، منفردين بخصال حميدة نادرة، لا نجدها مجتمعة – وقلما نجدها منفردة – لدى الشعوب الأرضية القديمة والجديدة، فالحب العربي وُلد وعاش في ظل الحرية الطبيعية والشجاعة والكرم الحاتمي والحكمة والوفاء والتضحية والتسامح والفراسة والفروسية، وهو في كل حالاته كان الطاقة الأولى المحركة لنبض الحياة والإحساس بالجمال:
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
وفي هذا المعنى يقول الشاعر مفضي السلمي:-
أشكي عليك البدو عوج الدروبي
اللي إلى هاموا على منزل جوه
البدو هم واضعونهم هبلوا بي
هني قلب لا عرفهم ولا جوه
شدوا ومدوا بالغزال العجوبي
يا ليتهم مع ثاية الحضر خلوه
والشاعر مرشد سعد الرشيدي – غفر الله له – شاعر علم وصاحب العطاء الشعري الكبير فهو بشعره يقف في صفوف كبار الشعراء، حيث إنه قدم إنتاجاً غزيراً وصدر له أكثر من ديوان، وحيث بلغت مجموع دواوينه الشعرية ستة دواوين ضمت من روائع الشعر النبطي الشيء الكثير ولا يستطيع الباحث أن يحدد بالضبط اتجاهاً معيناً لشاعرنا قد برز فيه أكثر من الاتجاه الآخر فهو بالغزل قوي لدرجة تفوق الوصف وهو القائل:-
ألا يا عشيري وين أنا وأنت
أشوف الجفا جت له دلايل
تبينت لي بالحرب وأعلنت
نسيت المودة والجمايل
وأظنك على مثلي تمدنت
قصرت الشعر والفرق مايل
والشاعر أبو القاسم الشابي، نسبة إلى “الشبابيّة”، وهي إحدى ضواحي “توزر” في الجنوب التونسي، وُلد عام 1909، تعلم في الكتاتيب الشعبية، وتخرج من جامعة الزيتونة في الحقوق، عانى خلال حياته القصيرة مرارة اليتم ووطأة المرض، وتوفي في ريعان الشباب وهو في الخامسة والعشرين من عمره.
اطلع على الأدب القديم، وكان شديد التأثر بالأدب المهجري، ولا سيما أدب جبران، كما كانت له صلة بالأدب الأوروبي المترجم وبمجلة (ابولو) التي جنحت إلى التجديد في الشعر العربي الحديث، ولعله الشاعر العربي الوحيد من أقطار المغرب العربي الذي تبوأ عرش الشهرة في أرجاء الوطن العربي الكبير.
شعره وجداني رومانسي ثائر، تمرّد فيه على الاستبداد، وتغنى بالحرية، وقد جمعت أشعاره في ديوان (أغاني الحياة) وترجمت قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية. ومن مؤلفاته النثرية: “الخيال الشعري عند العرب” و”مذكرات الشابي” فلماذا لا نكون مثله زراعاً للخير والعبارات الشفافة حتى وإن كنا في أقسى مراحل حياتنا فهذا الشاعر رغم ما يعانيه إلا أنه بعيد عن البغض، بعيد عن الكراهية، قريب من الخير وهو يمشي في دهاليز الحياة وينشد:
النور في قلبي وبين جوانحي
فعلام أخشى السير في الظلماء؟
إني أنا الناي الذي لا تنتهي
أنغامه ما دام في الأحياء
وهو الذي يتناغم مع الحرف بروح المحبة:-
عذبة أنت كالطفولة كالأحلام
كاللحن كالصباح الجديد
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء
كالورد كابتسام الوليد
ننتقل من حالة الانفتاح الكامل للحياة إلى موضع آخر يصور الشاعر حالة من الحالات الإنسانية وهي الوله فيقول عبدالله الحمصي:
ولهان تهت بما جرى
العشق مَنءعٌ، ما جَمَعء
مضيت أشكو من جوى
عن داء حب قد لذع
وعندما يصف العاشق المحب حبيبته فإنه ينتقي المعاني والمفردات وهذا شاعرٌ فصيح قال:
له فم يمنعه ضيقه
أن يخرج الحرف بتقويم
ما فمه ميم ولكنه
علامة الجزم فوق الميم
أخيراً نختتم مع البوح الشعري الجميل لشاعر لم أتوصل إلى معرفة اسمه حيث يقول:
ما يموت الود في قلب الكريم
ولا تموت العاطفة عند الكرام
مثل ضي النور في ليل العتيم
الصداقه باقية مثل الوشام
تحتويني حكمة الشخص الحكيم
كن بينه والادب حب وغرام
كل طير مثل جنسه له نديم
ما تخاوى الحر مع طير الحمام!
admin