بقلم : الدكتور محمد العقلاء الخبير القانوني
الاستثمار ليس بالواقعة الاقتصادية أو القانونية المحددة,
بل انه يمثل في الواقع مفهوما متغيرا ومتطورا يتغير ويتطور بتطور الظروف والأوضاع الاقتصادية على المستوى الدولي,
فهو مفهوم عام قد يضيق وقد يتسع حسب ظروف البلد السياسية والاقتصادية,
فالدولة التي تسعى إلى جذب الاستثمارات الأجنبية تميل إلى تبني مفهوما واسعا للاستثمار,
حتى يمكنها الاستفادة بأكبر قدر ممكن من رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية في مختلف الأنشطة الاقتصادية في إقليمها
والملاحظ على طريقة التعداد الحصري للأموال المستثمرة الخاضعة للحماية التشريعية لا ينسجم مع المرونة اللازمة من اجل مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي ,
فضلاً عن ذلك فان المشرع مهما احتاط فانه لا يستطيع أن يستوعب جميع صور الأموال المستثمرة
ومع ازدياد أهمية عقود التنمية الاقتصادية بالنسبة للدولة المضيفة وحاجتها لخلق نوعا من التعاون
الطويل المدة مع الطرف الأجنبي يتم تضمينه نصوصا تهدف إلى تحقيق الثبات التشريعي وعدم المساس بالعقد وإخضاعه لنظم خاصة أو لقانون الدولي حماية للطرف الخاص المتعاقد مع الدولة
من سيادة الدولة التي تستخدمها لتعديل العقد أو إنهاءه بإرادتها المنفردة
في سبيل ذلك برز التحكيم كوسيلة من أفضل الوسائل في تسوية منازعات الاستثمار
لكونه يمكن إطراف النزاع من تسوية منازعاتهم الاستثمارية عن طريق محكمين يتمتعون بخبرة وكفاءة عالية,
الأمر الذي يؤهلهم للفصل في هذا النوع من المنازعات بطريقة فاعلة, دون التقيد بإجراءات ومواعيد معينه,
حيث يكون للإطراف دائما حرية تحديد مكان التحكيم وزمانه
بالإضافة إلى إمكانية تحديد النزاع موضوع التحكيم, مع اختيار القواعد الموضوعية والإجرائية الواجبة التطبيق استجابة لطبيعة النزاع ,
كما إن استجابة التحكيم لتسوية الخلاف بأقل قدر من العلانية في الخصومة
يعطي جوا من الصفاء المنشود بين المتنازعين بعيدا عما يمكن إن يتسبب به رفع النزاع إلى القضاء العادي
مما يعمل على الحفاظ على سمعة المتنازعين وإسرار تعاملاتهم وكوسيلة لاستئناف علاقاتهم في المستقبل
على الرغم من أهمية الوسائل البديلة عن التحكيم في تسوية منازعات عقود الاستثمار الأجنبي,
فانه مازال يمثل الملاذ النهائي والأخير لحسم منازعاتها إذا ما أخفقت لحله الوسائل الودية والسلمية الأخرى في الوصول إلى تسوية وحل النزاع,
وعلى نحو يمكن معه القول بان عقود الاستثمار أصبحت لاتتم بغير وجود اتفاق التحكيم من شأنه إن يحيل المنازعات الناجمة عن هذه العقود إلى التحكيم.
لما لاتفاق التحكيم من اثر جلي على التمسك بالحصانة القضائية والتنفيذية للدولة المضيفة للاستثمار.
والتي تسعى للتخلص من قبولها عملية التحكيم في الاستثمار الأجنبي ,
وتدفع بما تتمتع به من حصانة كدولة ذات سيادة من الخضوع لقضاء دولة أجنبية للقول بعدم جواز خضوعها للتحكيم ,
فمن المبادئ المستقرة في القانون الدولي العام, انه تأسيسا على فكرة السيادة والمساواة بين الدول,
فان كل دولة تتمتع بالحصانة القضائية في مواجهة قضاء الدول الأجنبية,
بمعنى انه لايجوز إخضاع المنازعات التي تكون الدولة أو احد الأشخاص المعنوية العامة المنبثقة عنها طرفا فيها لغير قضاء هذه الدولة,
الأمر الذي يعني عدم اختصاص قضاء دولة أجنبية بنظر تلك المنازعات, سواء كان ذلك القضاء رسميا في دولة أجنبية أم كان قضاء تحكيميا بنظر تلك المنازعات
ومن هنا يبدو جليا مدى خطورة الحصانة القضائية في عقود الاستثمارات الأجنبية,
إذا كيف يعد اتفاق التحكيم احد الضمانات التي عول عليها المستثمر الأجنبي في تعاقده مع الدولة المضيفة أو من يمثلها في الوقت الذي تستطيع فيه الأخيرة التمسك بحصانتها القضائية,
وعليه يعد ذلك إخلالا بالشروط الجوهرية التي قامت عليها العلاقة التعاقدية
مما يستوجب معه مساءلة الدولة ولكن نظرا لان التحكيم له طابع خاص يتمثل في انه يجد أساسه في إرادة الإطراف,
حيث تلجا الدولة إلى إدراج شرط التحكيم بالعقد بإرادتها الحرة,
فمن البداهة إذن التساؤل حول مدى جدوى التمسك من جانب الدولة بالحصانة القضائية إمام هيئات التحكيم,
على الرغم من أنها قد ارتضت في اتفاق التحكيم مبدأ فض المنازعات الناشئة أو التي يمكن إن تنشا بينها وبين احد أشخاص القانون الخاص بطريق التحكيم
وأغلب الفقه يرى أن الدولة تعتبر متنازلة عن حصانتها القضائية إذا قبلت شرط التحكيم ،
وعليه فلا يجوز للدولة المضيفة للاستثمار التي تتفق على اللجوء إلى التحكيم لتسوية المنازعات الناشئة عن العقد المبرم بينها وبين المستثمر الأجنبي,
إن تتمسك بحصانتها القضائية امام المحكم أو هيئة التحكيم .
فاتفاق التحكيم هو قضاء خاص لاينتمي إلى سلطة أي دولة,
ومن ثم فهو لايمثل اعتداء على سيادة الدولة الطرف في النزاع,
فضلا عن ذلك فان الدولة تدخل في تلك العلاقة القانونية بإرادتها المطلقة,
وبموجب قانون يسمح لها بذلك, وبرضاء مسبق منها,
وبدون هذا الرضا المسبق ليمكن إرغام الدولة على اللجوء إلى المثول إمام هيئات التحكيم
إما فيما يتعلق بالحصانة التنفيذية فإنها تعني عدم تأثر الحكم التحكيمي في مجال الاستثمار بما تصدره الدولة من تشريعات تؤثر على عدالة هذا الحكم
ومن المتبادر التساؤل هنا عن اثر اتفاق التحكيم الذي أبرمته الدولة بإرادتها على هذه الحصانة,
فهل لها إن تتمسك بحصانتها في مواجهة إجراءات تنفيذه أم إن مجرد موافقتها على التحكيم يعتبر تنازلا ضمنيا عن حصانتها,
بحيث يتعلق عليها تنفيذ حكم التحكيم عند اضطرار الطرف الأخر إلى اتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري دون إن يكون لها التمسك بحصانتها؟
البعض من الفقه يرى بان اتفاق التحكيم الذي قبلته الدولة يجب إن يمتد في إثارة ليشمل تنفيذ حكم التحكيم وذلك تحقيقا لاستقرار المعاملات وتحقيقا لفاعلية اتفاق التحكيم,
إذا إن قبول الدولة اللجوء إلى التحكيم بالرغم من حصانتها سيكون فارغا من أي معنى إذا هي استطاعت ان تدفع بحصانتها لتعليق تنفيذ حكم التحكيم.
في حين يذهب البعض الأخر بأن اتفاق التحكيم بذاته لا يفيد في الدلالة التخلي عن حقها في التمسك بالحصانة في مواجهة إجراءات التنفيذ,
على اعتبار إن هذه الأخيرة تتمتع باستقلالية وذاتية تحول دون اختلاطها واندماجها في الحصانة القضائية.
ومن جانبنا نؤيد الاتجاه الفقهي الأول لكون إن اتفاق التحكيم الذي تورده الدولة في عقودها مع المستثمرين الأجانب يفيد تنازلها عن حصانتها ضد تنفيذ حكم التحكيم,
admin