الأضحية بين شعائر التعظيم وفلاسفة التقزيم
رشا الحسين الظريفى
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)،
(ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)
(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير)
( وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
(إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر)
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)
المحبّة مشاعر قلبية نقية مزكاة من كل شوائب الرغبات ، هي جملة سلوكيات وقناعات تجعل المحبّ يترفع ويسمو.. ليكون في الصورة التي يحبها المحبّوب ،من ذاق لذة المحبّة ترفع عن سموم البغض والضغينة ، تلك المحبّة هي صفة الله وصفة من يحبّونه ؛ لذلك كلّلت باللطف و العطف والرضى والمرضاة ،لكن الفرق يكمن بأمر مهم.. أن محبّة العبد لله لن تغني الله ولن تزيد مكانته وربوبيته ، بل تزيد وتغني العبد وتقربه لله .
محبة الله تعالى تّعدّ من أعلى درجات المحبة على الإطلاق ،مع الأخذ بالأسباب للوصول إلى درجة المحبة المطلوبة تلك.
فمن رزقوا حياة القلوب وصفاء الروح ، يجدون تلك اللذة ويشعرون بربيع القلب الذي لا يدركه أولئك الخبيثون ، الذي دربوا أنفسهم على رفض الشرائع ؛بل ويشعرون بالمتعة بخروجهم عن المألوف ،وأعتبر ذلك نوع من أنواع الشذوذ الفكري ، و لم يكتفوا بذلك.. بل نصبوا أنفسهم على منصّة التوجيه الذي يفتقرونه ، وإن راقبت واقعهم لا تجده مطابقا لصرخاتهم .
ولأن البشر ليسوا سواسية ولايشبهون بعض ؛خلق الإختلاف والخلاف وأجاز الله ذلك في كتابه ، لكن البعض ذهب بعيدا .. ذهبوا إلى حيث الخروج عن الشرائع ، وأنا هنا لا اتحدث عن شريعة معينة ولا دين معين ، فكل الديانات السماوية حثت على محبّة وطاعة العبد لربه ، ليدخل جزءا من العام في هذا التخصيص، فيكون هذا الجزء قطعي الدخول في العموم، ولا يمكن إخراجه بمخصّص، ومن أمثلة هذا :
خروج البعض علينا بتوصية تلامس شريعة من شعائر الله -الأضحية – وذلك مساس مباشر وصريح بالشعائر، إذ يقول المولى :
(ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) آية صريحة واضحة لم تخص شرعة معينة بل جميعِ شعائرِ الله تعالى ، وفي آية أخرى قال: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}، وهنا تعظيم البدن واستحسانِها واستسمانها، وحث على اختيار السمين من الأضاحي و الأفضل ، و هذا من تعظيمِ لشعائرِ الله، فهذا عموم دخل به جزء فخصّص هذا العموم .
فتعظيم الشعائر صفة ملازمة للمؤمن .. وهي طريق ل( تَقْوَى الْقُلُوبِ) ، فمناسك الحج جزء من الشعائر واقصاء إحداها تحت أي ظرف هو خروج عن أساسيات الحج .
والمقصود بتعظيم الشعائر إجلالها واحترامِها.. والقيام بها على أكملِ وجه يستطيع العبد أدائه، وأكمل وجه في تعظيم الشعائر أن يستحسن العبد كل ما يُقدمه لله تعالى كالهدي ، فيكون تعظيم هذه الشعيرة باستحسانها واستسمانها وانتقاء الأفضل منها، وأن تكون مكملة من كل وجه، فمن يفعل هذا يعظم شعائر الله تعالى وهذا صادر عن تقوى قلبه فتعظيم الشعائر يتبع لتعظيم الله تعالى وإجلاله.
وتلك الأضاحي التي تثير غضب العامة ممن لا يفقهون بها ، لا ينال الله منها شيء هي لصاحبها ، ناهيك عن كونها إشارة وحث على التكافل الاجتماعي بين الناس، من خلال القسمة الشرعية الواضحة للأثلاث :
ثلث الفقراء والمساكين.. يكفي لإسكات من يثير الأمر بالتبرع بثمن الأضحية للفقراء ، فالشعائر لا تحجبها أي نية أخرى وإن كانت نية حسنة .
ثلث الأقارب والجيران ..الذي يؤكد حق صلة الرحم ،والتواصل والتحاب ممن يشاركوننا التراب والمنطقة الجغرافية الضيقة .
ثلث أهل البيت ..الذي يؤكد بأن الأقرب ليس أولى بالمعروف بل جزء منه ،خصوصا مع السلوكيات الأخيرة التي أفرزتها أزمتنا السورية ،والتي بات الناس يرددها كالببغاوات بأنهم أولى من الغريب ، وكأن الصدقات إرث عائلي يحصر بالنطاق الضيق .
لكن ما لا يعلمه المجعجعون! بأن المملكة العربية السعودية لا ينالها من أضاحي الحج إلا الجزء البسيط جدا للفقراء ، وأرجو أن لا يؤخذ كلامي على أنه مجاملة وتلميع ،فأنا شاهدة على الأمرفلن تطول أيامي بهذا البلد كما قصرت ، وأنا من أكثر الناس انتقادا لكل الحكومات العربية.. إن كان الأمر يستدعي النقد .
مع أول أيام عيد الأضحى ، تفتح المملكة العربية السعودية خطا جويا ساخنا ..من مكة المكرمة لكل دول العالم ، الدول الفقيرة والدول التي تحتاج المساعدة وحتى الدول التي لا تحتاج المساعدة ، لنقل تلك الأضاحي مجمدة وتسليمها للوزارات المختصة هناك، والتي تمارس دورها بالتوزيع حسب ما يمليها عليها واجبها الوطني والأخلاقي .
قبل مغادرتي لسورية أواخر سنة 2001 ، كنت و قبلها بعامين قد ندبت من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة الشؤون الاجتماعية ، كان عملي في معهد التنمية الفكرية للاحتياجات الخاصة ، حيث خصص لكل تلميذ في المعهد أضحية كاملة ،توزع عن طريق مديرية الشؤون الاجتماعية ، علما بأنه في السنة قبل الأخيرة من عملي لم تصل تلك الحصة لأحد ، لأن القائم على الإدارة وزعها كهدايا شخصية ،وحين سألته المديرة أخبرها بأنه إحرج من بعض أصدقائه .
فأرجوا من الغيارى عدم التحامل على الشريعة بل التحامل على الفساد ، أما الخوض في كل عام بهذه الشعيرة .. ماهو إلا هذيان وتحريض للخروج عن الشريعة ،بل والتحامل على الله والطعن بمدى عدله ، وهذا مرض نفسي يقتضي على المختصين ملاحقة من يدعو لتلك الدعوات ، فبدل من التحامل على الأضاحي ، وجب على أولئك التحامل على المبالغ الكبيرة .. التي تهدر ثمنا للمشروبات الروحية والموبقات التي لا تآتي بنفع على المجتمع ، وليس التحامل على النقيض والذي يآتى بكل الفائدة للمجتمع ،عبر شرائع ونصوص لا حصر لها تحث على التكافل الاجتماعي.
admin