يسري عبدالله
على تخوم المعرفي، وفي قلب الجدل مع عالم متغير، ليس أكثر من مأساة كبيرة،
تبدو فيه الذات الشاعرة موصولة بتاريخ من الاغتراب الوجودي، والرؤى
المفعمة بالرغبة والسؤال. هكذا هو ديوان الشاعر المصري طارق هاشم
“اختراع هوميروس” (أقلام عربية، القاهرة).
ينفتح العنوان هنا على أشباح هوميروس المتخيلة،
وارتحالاته المتواترة، مثلما تحلّ في الديوان المأساة
الشكسبيرية مغادرة السؤال الرومانتيكي الشهير عن
المأزق بين الواجب والعاطفة، لتخلق مداراتها الخاصة
التي تكتسي بطابع يخصّ الذات الشاعرة في بحثها عن
الحلم والمواعدة، عن “ماريا”، عن الاعتداد بالهامش، وتفاصيله الدقيقة.
ومن الإقرار بأن “الحياة مأساة كبيرة”، ومن ثمّ فالإنسان في قلب
الجحيم الأرضي، تشيع روح وجودية تهيمن على أجواء الديوان.
ثمة مقاربة لعلاقة الإنسان بالعالم الذي يبدو مدفوعا فيه صوب جحيم لا إرادي؛ ولذا تجابهه الذات الشاعرة في القصائد الثماني والعشرين التي تشكل متن الديوان بمزيد من المحبة التي تغالب قسوة العالم، وخسته.
التفاصيل الصغيرة
تتعيّن المحبة هنا عبر ملمح التفاصيل الصغيرة التي تأخذ منحى شعورياً غالباً، ذا وجهة عاطفية بالأساس، تلوح عبر “سلمى” في “رسول أنكرته قبيلته”، أو “ماريا” التي تمثل مركزا في الديوان، وتحضر اسماً أو ظلاً في أكثر من قصيدة، من قبيل: “في حضن ابن رشد”.
يتجادل في الديوان نسق المقولات الكبرى التي تنحدر من ظلال حداثية، إلى هوامش التشطي بانتماءاتها ما بعد الحداثية، فيضع الديوان قدماً هناك وأخرى هنا، واعياً بعلاقة الجزء بالكل، والعضوي بالمتعدد، في بنية شعرية متجانسة.
من “بعض الغناء”، يبدأ الديوان، من وضعية مراوغة للذات الشاعرة التي تقع بين مأزق الإنشاد، وغواية التحرر عبر قصيدة النثر، وتصير الحبيبة المعاتبة للذات الشاعرة معادلاً موضوعياً لظلال رومانتيكية لم تفتر، وتصير العلاقة بين الوحدات الثلاث التي يتأسس عليها النص ( الذات /الحبيبة / القصيدة) علاقة جدلية بامتياز، تنحو فيها الذات الشاعرة صوب مبتغاها/ قصيدتها الجديدة محملة ببعض الغناء المؤرق بوضعية قلقة، وشاكة، ومتسائلة.
تبدو مطارحة فكرة الشعر ذاتها حاضرة أيضاً، وعبر صيغة مختلفة في “رسول أنكرته قبيلته”، مثلما تلوح الحبيبة من جديد، وعبر مجازات أخرى تستلهم التراث والواقع، واضعة فكرة الشاعر الذي يعتقد في امتلاكه وعيا رسوليا موضع المساءلة.
جدل المعرفي والجمالي
يتقدم الديوان صوب صيغة جديدة في قصيدة “هو فقط لا يحب البِطالة”، وتصبح الحكاية الشعرية بناء موازياً لنص دوستويفسكي “مذكرات من العالم السفلي”، وتتأسس القصيدة على البنية الدرامية، والانتقالات الحرة بين أطراف الحكاية، وتتبادل الذات الشاعرة الحكي مع أنّا غريغروفنا زوجة ديستوفيسكي ومعاونته، يحضر دوستويفسكي مثل طيف محكي عنه عبر عيني الذات الشاعرة التي تبدأ النص، وأنّا غريغروفنا التي تكمل الحكاية.
ويتقدم النص صوب إيقاعه الدرامي واصلا لخط النهاية المترعة بالفقد، والتمني والسؤال، حيث يصير الموت رديفا للعدم، وعطلة عن الحياة: “بحق عدلك لا تدعه عاطلا/ فهو طيب ويحبك/ لا تتركه مهملا/ حتى لا يكره اليوم الذي أتى به إلى العالم/ دون موافقة خطية منه شخصيا/ لا تدعه وحيدا/ لا تدعه/ فالبطالة لم تخلق لمثله/ لم”. (ص 21).
يلعب النص هنا على المساحات المتخيلة بين الرواية الشهيرة “مذكرات من العالم السفلي”، والصنيع الملهم لأنّا غريغروفنا في مذكراتها، أو أنّا ديستوفيسكايا كما كان يحلو لها أن يناديها دستويفسكي، والتي تبدو في القصيدة مثل امرأة عادية تعيد إنتاج الفقد، والوحدة.
تنفتح القصيدة في مستهلها على إطار معرفي وسيع، ويتخلق الشعري عبر جدل المعرفي والجمالي اللذين يشكلان مساحات التقاطع بين الحضور والغياب، بين ديستوفيسكي وأنّا ديستوفيسكايا، وبين الذات الشاعرة التي تكمل الفراغات الناقصة.
ثمة ولع بالحكاية الشعرية التي تتأسس على الخارج، ثم يصنع منها الشاعر حكايته الخاصة من قبيل قصيدته “في حضن ابن رشد”، التي تحيلك منذ عنوانها، وعلى الفور، إلى تراث سامق من البحث والتنوير بطله الفيلسوف الرائد ابن رشد، لكنذ الشاعر يختار زاوية أخرى تتجاوز مؤلَّف “تهافت التهافت” إلى الرجل الذي مات في حضن المخطوط حين قتله لص المخطوطات.
ولأن النَّفس الشجني الرومانتيكي حاضر لم يزل في الديوان، فإنّ القتيل المغدور يترك رسالة عشق لماريا في عامها الثلاثين: “أريدك يا ماريا/ كرعشة لا يزول سحرها/ كمخطوط قديم/ كبحر عكّا الذي لا ينام/ كرقصة أقسمت ألا تنتهي إلا على جثث الغزاة/ أريدك يا ماريا/ كروح طليق/ كأسطورة نائمة على شفاه البحر الميت”.( ص33).
تبدو الإحالة بنية أساسية داخل الديوان، سواء امتدت تلك الإحالة الى فنانين مثل فان غوغ، أو روائيين مثل دستويفسكي، وبلزاك، وزوسكيند، أو مفكرين مثل ابن رشد، أو امتدت إلى أعمال فنية أو فكرية مثل “مذكرات من العالم السفلي”، أو “العطر”، أو “تهافت التهافت”.
الإحالات المتواترة
وتعد الإحالة لأشياء خارج القصيدة، تفعيلاً لما يسمى بخارج النص، هذا الذي يستثمره الشاعر في نصه، خارجاً من رحم السائد إلى دلالة الحضور المتجدد للشخوص والآثار التي خلفوها، حين يحيون حياة جديدة داخل القصائد.
تغادر القصائد جدل المعرفي والجمالي إلى متن الحياة اليومية، وبراح الهامشي والمعيش في قصائد “دنيا/ في بحر ستة أيام/ من على كرسي متحرك”، كما تأخذ بعض النصوص منحى التوقيعة المبنية على المفارقة بالأساس، من قبيل: “غيابك/ هكذا بعنف/ رجل لا أعرفه/ آلام الطريق”. وتتسم هذه القصائد بالقصر الشديد على مستوى المتن الكمي:” في البلاد التي بلا قمر/ غيابك/ جريمة كبرى”.(ص59).
في قصيدته “الحرب نهاية العالم” تستعيد الذات الشاعرة الشاعر الفرنسي الشهير جاك بريفير، وتنتخب من حياته وتصوراته ما يدعم رؤيتها الشعرية، ويصبح جاك هنا ابنا لتأويل مكتنز، يصرخ من خلاله بأن “الحرب نهاية العالم”، ويصنع الشاعر إطاراً مسرحياً، يستحضر فيه شخصيته المستدعاة- جاك بريفير- ويحيل إلى جانب من تراثه الفني، حيث البساطة الآسرة والتأثير الملهم، موظفاً ذلك في نصه المبني على المشهدية البصرية، وكسر الإيهام بين النص والمتلقي عبر استعارة خشبة مسرح يقف عليها بريفير أو شبيه له (كومبارس في فرقة مسرحية)، صائحاً لجمهور من النظارة لا يعبأ أو ينتبه، في مشهد درامي لم تغب عنه الذات الشاعرة.
بعد مجموعة من دواوين العامية المصرية التي كشفت عن انحياز جمالي لنثر العامية للشاعر طارق هاشم، يأتي ديوانه “اختراع هوميروس”، مرتحلا إلى الفصحى، ومشغولاً بشعرية الإحالات المتواترة، ومقيما نصه على جدل خلاق بين المعرفي، والفني، وبنَفَس وجودي عميق، يصرخ هامساً في مواجهة العالم
admin