شهادة القاص سمير الفيل – مصر
لم يخفت صوت القصة القصيرة ، لكنها اتخذت مسارات مختلفة ، فبالإضافة إلى التيار الواقعي الذي اسس له جيل الرواد وبرز منه
يوسف إدريس ، وزكريا تامر ، بهاء طاهر ، وغيرهم من الكتاب ظهرت تيارات مختلفة منها النفسي والتاريخي والتجريبي . تشكلت إذن
مجموعات حفرت في جيولوجيا أرض القص ومهدت لأجيال جديدة عبرت عن نفسها بتجارب غاية في الأهمية.
صحيح أن الرواية صارت في مقدمة فنون الكتابة ـ رواجا ودعاية ـ نظرا للجوائز التي خصصت لها، وعدد القراءة المهتمين بها ، وإمكانية
تحولها إلى عالم السينما او المسرح فيما بعد، لكن في المقابل هناك عطاءات وارفة في القصة القصيرة المعاصرة. وقد قيض لي منذ
عامين أن شاركت في تحكيم مسابقة قومية ، وقرأت 95 مجموعة قصصية ، كان من بينها حوالي عشر أعمال جيدة ، وهي نسبة
معقولة جدا.
القصة القصيرة في مصر وفي الدول العربية ايضا أظهرت قوتها وعنفوانها على يد أجيال قدموا تجارب جيدة في الصياغة ، وتشكيل الفضاء
النصي ، ومعالجة الفكرة ، وفي تشكيل جمالي مبتكر استفاد من كافة الفنون مثل الفن التشكيلي والسينما والموال الشعبي .
ليس معنى تلك الأكوام من الروايات أنها الأفضل ، ولكن الأقرب للصحة أن ” الرواية” تتسع لفنون اخرى مثل الكولاج، والسينما ، والتاريخ
، والوثائق ، وهو ما ادى إلى غناها الفني وتعدد مصادرها ، في نفس الوقت صار لدينا كتاب قصة قصيرة ماكرين، ولديهم قدرة على
تشكيل المادة السردية برهافة وجمال ورقة.
خذ عندك من الجيل الذي أنتمي إليه وما بعده بقليل : سيد الوكيل، جار النبي الحلو ، مصطفى نصر ، عادل عصمت ، محمد عبدالله
الهادي ، عبدالحميد بسيوني ، سميرالمنزلاوي ، عفاف السيد، وغيرهم.
ولعل الجيل التالي قد أحدث فروقا نوعية في الكتابة والتشكيل الجمالي ، ويأتي في مقدمته : د. محمد ابراهيم طه، شريف صالح ،
طارق إمام، محمد عبدالنبي ، منى الشيمي ، منير عتيبة ، فكري عمر ، حسام المقدم ، فكري داود، أسامة كمال ، وغيرهم .
أتصور أن القصة القصيرة هي الفن الأقرب إلى اللماحية والتكثيف والعبارة التلغرافية والتقشف اللغوي حيث لا محاولة مستميتة للإبهار أو
اللعب على عناصر بلاغية مطلقة.
عن تجربتي الشخصية : لي خمس روايات منها ثلاث منشورة هي :” ” رجال وشظايا” ، و” ظل الحجرة” ، و” وميض تلك الجبهة”. بينما
بلغت مجموعاتي القصصية 18 مجموعة صدرت في الفترة من سنة 2001 حتى 2020 كان آخرها ” فك الضفيرة”. أتصور أن غزارة إنتاجي
القصصي يرجع في المقام الأول لافتتاني بفكرة القص الموجز، واللقطة المعبرة ، والصراع مع الزمن فأنت تطلق طلقتك وتنتظر النتيجة
دون الوقوع في شبكة الزمن الدائري المخادع.
الرواية بحكم طولها وفصولها ، تستغرقك كلك لتسقط في غيابة الحكي لكنها تسيطر عليك كلية ولا تطلق سراحك بسهولة!
ليست القصة القصيرة متاحة للجميع بل هي فن صعب ، مركب، شديد التنوع ، فيه لعب فني حميد ، وهي تعالج قضايا معاصرة ،
بمنتهى الوضوح والصراحة ، ثم ترمي بطرف منها للمستقبل الذي تستقرأه بفهم وعمق وحسن استبصار.
منذ قرأنا تشيخوف ، امسكنا بطرف الخيط ، واجتهدنا لتقديم نصوصا معبرة عن أحوالنا وأحوال الناس حولنا، وقد جربنا ان نقرأ أعمالا
قصصية في المقهى فوجدنا انصاتا جميلا ، وهكذا يكون الفن الحقيقي الذي يلقي بظلاله على المتلقي فيمنحه شطرا من المتعة
وشطرا من الفائدة ثم يمنحه مساحة مناسبة للتفكير وإطلاق المخيلة لاقتناص جوهر النص وخطابه الفكري الأكيد.
admin