يوسف م. شرقاوي
أفقتُ هذا الصباح أبكي وأضحك لا حزناً ولا فرحاً.
أعددتُ كأساً من القهوة، وفنجاناً صغيراً آخر أكثرتُ فيه السكّر. أبي يشتاق إلى القهوة، بل وإلى التبغ، لكنه لم يفصح عن رغبته الأخيرة.
كان قد انقطع عن زيارتي لفترةٍ طويلة، وعذرتُه.
اليوم كان نائماً عندي، أنا الذي اشتدّ عودي منذ زمن واستأجرتُ غرفةً صغيرة لأعمل فيها وأنام.
نهض من نومه، مثلما ينهض عادةً، سوّى جلسته، كما يفعل دائماً، فيما وقفتُ أطبخ القهوة.
لقد هرب من حيث هو إلى المكان الصغير الذي أقيم فيه، وذلك يجعلني أبكي فرحاً.
بعد كل هذه السنوات، أبي يلجأ إليّ، لكن في المنامات.
لا أذكر أننا حكينا حرفاً واحداً إلا “صبّ لي ماءً هنا”، ففعلت، رغم أنّ كأسه كانت ملآنة حتى النصف. وأخذتُ له فنجانه المُحلّى، ثم نظر إليّ وهو يبتسم.
لقد كبرتَ إذن. كانت عيناه تقول. كبرتُ إذن يا أبي، وأنتظر هاتفاً من الطبيب النفسي.
هل أنتَ سعيد؟ أخفض رأسه، كان عليّ أن أكتشف الأسئلة وحدي.
لستُ سعيداً تماماً، إنني أدّعي ذلك، رغم وجود لحظاتٍ منها لا يمكن أن أنكرها، ولكنني مُتعَب، كئيب، تلاحقني الأزمات الوجودية.
حدجني بطرف عينه. أعرف أنك غارقٌ في الحب، وأعرف أنّ ذلك يسعدك. إنك تعتاش على وجه البنت التي تحبّها والعناقات.
لذلك بقيتُ هزيلاً وجائعاً لفترةٍ طويلة يابا، لكن الآن، لا يمكنني أن أتذمر.
وماذا أيضاً؟ كان يهزّ رأسه.
لا شيء سوى الانتظار. كما ترى، إنني أحاول أن أهرب، ولكنني لا أستطيع. وحدك استطعتَ أن تقتحم مكاني، فهل تهرب أنتَ إليّ؟
ابتسم مرةً جديدة. بل جئتُ إليك لكي تهرب أنتَ إليّ. أعرف أنني أورثتَك حجراً صلداً بدل القلب، يلزمك في بعض الأوقات، وقسوةً هربَتْ إليك.
بل قلباً مُتعباً يعيش بشق الأنفس يابا، وشرايينه تكاد تُغلَق. كان واحدُنا يريد أن يعانق الآخر، لكننا لم نستطع، كما كان يحدث في الحياة.
صرتُ أذرع الغرفة مرتبكاً، أراقبه، فيما يشرب الماء.
إذا كان المكان هناك ليس جيداً تماماً، فلماذا لا ترجع؟ هذا هو ما يبكيني حزناً.
admin