قراءة نقدية في ديوان “بكارة حلم” الشاعر محمد الجداوي
بقلم / سيد فاروق
***************************
ملخص
*****
هناك بعض التحولات الكبرى التي طرأت على الرؤية النقدية المتطورة في النقد الأدبي في العصر الحديث وهي مجموعة من الإشكاليات، لعل من أهمها ظهور خطاب نقدي يجعل من النقد نفسه موضوعًا للتفكير والتحليل، وبالرغم من أن هذا النشاط قديم في الممارسة النقدية العربية، إلا أننا نحاول في هذا البحث استخدام أليات النقد المعاصر من خلال التنظيرات الحديثة هي التي سعت إلى الارتقاء به إلى درجة الكيان المعرفي النوعي ضمن كيانات العلوم الإنسانية.
توطئة
****
احتل الغزل مكانة مرموقة وكبيرة منذ العصر الجاهليّ مرورًا بالحداثة وما بعدها، ووصولًا للمعاصرة، فنجده دائماً في قصائد الشعراء، فلا تكاد قصيدة تخلو من التغزّل بجمال وحُسْنِ المحبوبة، ونراه واضحًا في المقدمة الطلليّة التي يستهل الشاعر بها قصيدته قبل البدء بغرضه الرئيسيّ ذاكرًا أيّام الحب الذي أضنى قلبه شوقًا وحنينًا للمحبوبة، مُتغزلًا بها بأسمى المعاني وأعذب الألفاظ، فالغزل ما هو إلاّ إظهارٌ للشوق الدائم للمحبوبة ومدى الحب الذي في قلب الشاعر لها.
وجاء في المعاجم عن معنى الغزل : مصدر غَزِلَ
شِعْرُ الغَزَلِ : الشِّعْرُ الَّذِي يُقَالُ فِي النِّسَاءِ وَوَصْفِهِنَّ وَالتَّشَبُّبِ بِهِنَّ
غزِلَ بالمرأة : شغِف بمحادثتها والتودُّد إليها ، أو وصفها
غَزِلَ بِالنِّسَاءِ : حَادَثَهُنَّ بِلُطْفٍ وَرِقَّةٍ وَكَلاَمٍ عَذْبٍ وَتَوَدَّدَ إِلَيْهِنَّ (1 ).
بيد أنَّ العزل تطور في العصر الأموي وظهر ثلاث أنواع من الغزل : الغزل العذري وكان الشاعر يقتصر فيه على محبوبة واحدة يتغزل فيها بأسلوب عفيف يتلائم مع الفكر المتزن والقيم المثلى ، ” الغزل العذري يعبر عن العواطف العفيفة والملتهبة في وقت واحد ، فالشاعر الذي لم يقترن بحبيبته وجد بالشعر تعويضًا يطفئ به لهيب حبه ويرتفع فيه عن غرائزه . ” (2 ). والغزل العمري الصريح مع تعدد الحبيبات وسمي الغزل العمرية أو الحضري نسبة إلى ” عمر بن أبي ربيعة ولأن شعراءه عاشوا في الحضر حياة ترف نشأ في الحجاز ، وجاءت أوصاف الشعراء مادية حسية غير وجدانية “(3 ). ، والغزل التقليدي الذي كان يلجأ إليه الشعراء استجابة منهم لتقاليد القصيدة العربية التي اعتادوا فيها أن تبدأ بالغزل .
وعلى ذلك لم ينفك الغزل عن الشعر العربي الأصيل كغرض من أغراض الشعر الفصيح على مر العصور ، ولكن عند مطالعة ديوان – بكارة حلم – للشاعر محمد الجداوي – وهو الديوان الثالث له وجدنا أنَّ: العزل يتجسد إحساسًا يرى بعين القلب والروح فهنا يكون المشهد خاطف الدهشة ، عظيم الصدى تأثيرًا في المتلقي ” القارئ / المؤول ” وهنا يسطر الشاعر تاريخًا لإبداعة ومشواره الأدبي ، وقراءتي للديوان ستكون باستخدام بعض أليات النقد المعاصر من خلال العناصر التالية :
1- قراءة في المتعاليات النصية
2- اللغة
3- عاطفة الغزل
4- الفخر والمدح
1- قراءة في المتعاليات النصية:
***********************
لقد توجَّه الاهتمامُ النّقدي الحديث إلى الكشف عن الجزئيّات والتفاصيلِ المحيطة بالنّصّ أو ما يُسمّى عَتَباتِ النّصّ أو النّصّ الموازي، وهي ما أطلق عليها محيط النص الخارجي فدخل هذا النّوع من البحثِ في دائرة الضّوء ولم تَعُد الهوامش و لا الأعراض و لا ما كان يُعدّ ثانويًّا في النّصّ الأدبيّ ، لم تعد كما كان يُنظرُ إليها بل أصبحت تُسْتَضافُ إلى مركز الاهتمام في لسانيات النّصّ.
لقد أصبحت نصّيّة النّصّ الأدبي الحديث عمومًا والشّعر العربي الحديثِ خاصةً تُبْنى انطلاقاً من عَتَباتِه الدّاخليّة كاسم المؤلّف أو الشّاعر، وتحديد الجنس الأدبي، وعنوان العمل الأدبي والعنوانين الفرعية والفهرست إذا كان العمل نقدًا أو دراسةً، ويدخُل في العتباتِ المُقدّمة وكلمة النّاشر والتّصدير والإهداء…(4 ).
الغلاف:
******
يعد الغلاف أولى التشكيلات البصرية التي تؤثر في المتلقي سلبًا أو إيجابًا ولذا يعد ضمن المنصَّات الضرورية للولوج إلى أعماق النص قصد استكشاف مضمونه، وهو جزء من نسيج الديوان، ولوحة ضمن معمار النص. يحيط الغلاف بالنص الشعري، ويغلفه ويحميه، ويترجم رموزه الدلالية، وهو من أكثر المصاحبات النصية تنويرًا للنص. يظهر على الغلاف الخارجي للمنتج الأدبي: اسم المؤلف، والعنوان، وجنس الإبداع، وحيثيات الطبع والنشر علاوة على اللوحات التشكيلية المعبره بشكل مباشر أو صمينًّا عن محتوى المنتج الإبداعي.
غلاف ديوان – بكارة حلم – يعد ضمن التشكيل الواقعي الذي يشير بصورة مباشرة إلى أحداث الديوان ، ولكن هذا التشكيل الواقعي لا يسلم نفسه بسهولة إلى المتلقي حيث يحتاج القارئ إلى بذل جهد كبير في الربط بين النص واللوحة التشكيلية، وذلك لدلالته الغير مباشرة على فحوى النص بداية من العنوان، وهذا على عكس التشكيل الواقعي الذي يتسم بالمباشرة ورغم أنها لوحة تشكيلية لصورة واضحة المعالم إلا أنها في ذان الوقت تحمل قسطًا من الدلالات التجريدية مفتوحة الدلالات فيحمل الغلاف لوحة تشكيلية لفتاة في أوج الأنوثة هذه الفتاة تنظر إلى الأعلى مصوبة نظراتها في شكل شبه حالم بين الغفوة والصحو إلى عنوان الديوان ليماهى حلم الفتاه مع – بكارة حلم – الشاعر غير أن هذا الفتاة تتوسد شعرها الذي يحمل ألوان الطيف لتتوشح به وترى العالم من خلال هذه الألوان ، فعقد الحلي الذي يطوق رقبة الفتاه يحمل اللون الأزرق وكذا نفس اللون يقترب من قلب الفتاة ليعبر عن الصفاء والنقاء ، ثم خصلات الشعر المتناثرة على شكل نقوش خضراء ، يعني الحياة والخير واللون الأحمر المعبر عن معنى الحب واللون الذهبي المعبر عن الدفئ والإشراق ثم يأتي لون البنفسج ليعبر عن الجمال الحزين ، وأذا نظرنا إلى خلفية اللوحة التشكيلية نجد أن اللون البني يسود ليعطينا ملمح التراث والأصالة وفي ذات الوقت يعبر عن الطبيعة، والنفع، والاعتماديّة، والثراء؛
كما نلمح وسط هذه الهالات الاشعاعية نلمح ما يشبه بقلب الانسان النابض وكأن هذه الفتاه تحلم بالحياة المليئة بالصفاء والنقاء والحب وتتمسك في ذات الوقت بالأصالة والقيم، وهو ما يوشي بأن هذه الفتاة ستكون هي بطلة الشاعر المعول عليها، وأن الملمح الأساسي للديوان سيكون من العزل العفيف في بنية تشكيل الخطاب الشعري.
اللوحة مطلية باللون البني وتدرجاته، حيث غطى مساحة الغلاف بأكمله، وحسب رأي علم النفس في معاني الألوان، يشير اللون البني إلى العاطفة، بألوان زاهية وفي ظل أجواء يغلب عليها الطابع الرومانسي. تلك اللوحة الواقعية تشير بصورة مباشرة إلى أحداث الديوان، حيث الانسجام التام بين لوحة الغلاف، ورسوماته، وأشكاله، وألوانه وبين العنوان ومضمون وكأن تلك اليد أرادت أن تفرغ شحناتها الانفعالية على الورق، ليستريح الفؤاد من ضجيج الأخبار، وتداعيات الزمن.
العنوان:
****
يشكل العنوان مدخلًا أساسيًّا في دراسة النص الأدبي وذلك على أنه: (مصطلحا إجرائيًّا ناجحًا في مقاربة النّص الأدبي، ومفتاحًا أساسيًّا يتسلّح به المحلّل للولوج إلى أغوار النّص العميقة قصد استنطاقها وتأويلها) (5 ).
وبوصف العنوان أحد المنصات الهامة في النص الإبداعي يطلق الشاعر محمد الجداوي عنوان ديوانه – بَكَارَةُ حُلْمٍ – ليقف القارئ متأملًا في المعنى وما يحملة من دلالات متعددة واستفهامات فيستحضر المعنى المعجمي للكلمات ” فالبِكْرُ : العَذْراءُ ، والمصدر البَكارَةُ ، بالفتح ، والبِكْرُ من النساء : التي لم يقربها رجل ، ومن الرجال : الذي لم يقرب امرأَة بعد ؛ والجمع أَبْكارٌ “( 6).
أما الحلم فيعني الرؤيا ، وحُلْم اليقظة هو: تأمُّل خياليّ واسترسال في رُؤى أثناء اليقظة ، يعدّ وسيلة نفسيّة لتحقيق الأمانيّ والرَّغبات غير المُشْبَعة وكأنَّها قد تحقَّقت (7 ).
ثم يتساءل القارئ عن المعنى البكر الذي أطلقه الشاعر في العنوان فما هو الحلم ؟ وما تكون بكارته ؟ فهل هو واقع مأمول ومتخيل في الذات الشاعرة لم يتطرق إليه أحد ولذا كانت بكارته ؟ ، أم بكارة حلم عاشق يتماهى مع عذرية الغزل ؟ الذي هو محور رئيسي وبطل أساسي في الخطاب الشعري الإبداعي لديوان – بكارة حلم – وعلى ذلك يشكل هذا العنوان وظيفتا الإمتاع والإقناع في النص الشعري مرتكزًا أساسيًا من مرتكزات القراءة بكل وظائفها المرجعية والانفعالية والتأثيرية والتواصلية والميتالغوية والافهامية. وبما أن هذه الوظائف يمكن سحبها على أي نص أدبي، فإننا في هذه الحالة وعكس ما قال النقاد لا نعد العنوان نصًّا مستقلًا بذاته فلا يمكننا مقاربته بعيدًا عن المتن بوصفه رسالة (وهذه الرسالة يتبادلها المرسل والمرسل إليه وهما يساهمان في التواصل المعرفي والجمالي، وهذه الرسالة مسننة بشفرة لغوية يفككها المستقبل) (8 ). حسب تقبله لها ، ولكننا في النهاية سنقف على حقيقة لا مراء فيها هي أنَّ عنوان الديوان – بكارة حلم – وإن لم يرد كأحد العناوين الفرعية للقصائد داخل الديوان إلَّا أنه يعبر ضمنيًّا عن مضمون الديوان وبذلك تكون علاقة العنوان تكاملية مع المتن الأصلي وليست علاقة تواز واستقلال .
وهنا يقف القارئ أمام عنوان – بكارة حلم – وهو مؤثث بالدهشة والحيرة، ومتوجس من الإغواء والإغراء القصدي، ولا سيما أنَّ العنوان يتسم بالمراوغة التي لا تسلم نفسها بسهولة إلى المتلقي، لأنها تخفي دلالاتها بامتناع يمتاز بالغرابة، ويبدو أن تعد الدلالات احد المشوشات التي لها فاعلية مؤثرة في ذلك، لأنها تمتلك ثراءً دلاليًّا مغايرًا .
أسم الكاتب
*******
يدخل اسم الشاعر ضمن إطار المنصات ، وهو عتبة مهمة لا يمكن تجاوزها في أثناء قراءة نص الغلاف؛ فوجوده ينسب النص إلى صاحبه، ويضمن له حقوق الملكية الفكرية، وفي بعض الأحيان من المشاهير والأسماء الغريبة، تعمل أيقونة أسم الكاتب وظيفة أشهارية تساهم في ترويج الكتاب، كما أنه يساهم في صناعة توقع مبدئي عن طبيعة الأسلوب، فكل شاعر أسلوب معين يختلف عن غيره .
الوحدة الخلفية للغلاف:
****************
لا تقل قيمة محتويات الوحدة الخلفية للغلاف عن قيمة محتوى الوحدة الأمامية؛ فهي امتداد طبيعي لها، ولمحتوياتها ( كلمة الناشر، والتعريف بالكاتب، ومجموعة الألوان القابعة فيها، وصورة الكاتب، وإعادة شعار دار النشر …) وقد استعاض الشاعر محمد الجداوي عن كلمة الناشر بعدة أبيات منتقاه يقول فيها :
قلبي وقلبُكِ نجمتانِ تدفقتْ
منها الحياةُ فكانِ أعذبَها نهَر
قلبٌ يُناجي روحَ مَنْ تهفو لها
كلُّ الخلائقِ والملائكُ والبَشر
نُورانِ في روعي.. حنينٌ زائدٌ
مدٌ وفيضٌ والسحائبُ والقمر
يومانِ في عمري بعمريَ كلَّهُ
حين التقينا حين يجمعُنا القدر
******
وعادة تؤدي الوحدة الخلفية للغلاف عدة وظائف: أولها الاكتفاء بتأكيد المعنى الكامن في واجهة النص، والثانية استكمال المعنى المراد من هذه الواجهة، والثالثة إحداث اضطراب يولد معنى مخالفًا للكامن في الغلاف الأمامي، لغرض فني يريده منتج النص والواجهة الخلفية لديوان – بكارة حلم – تحمل بكارة الصورة الشاعرية في أول شطر قلبان ضوئيان تدفقت منهما الحياة لتكون أعذب نهر فيراها شطر الحياة التي ويناجي روحها التي يهفو لها الملكوت بأكمله ، وكأن الشاعر هنا يخاطب فتاته المرسومة على اللوحة الأمامية للغلاف ليعلن عن معالم الديوان ويمضي مسار الخطاب الإبداعي وهو ملمح الغزل العذري لتتماهي هذه الأبيات مع اللوحة التشكيلية ومع العنوان في ملمحه العاطفي الرومانسي ، وهذا يوضح انَّ معالم خارطة النص الإبداعي فيما بعد وبطله الرئيسي وهو ( العزل العذري ) .
التصنيف :
*******
يدخل الجداوي إلى هذا المنتج الأدبي – بكارة حلم – بنظرة منفتحة إلى التجنيس / التصنيف ، وهو متحرر من تلك النظرة المغلقة إلى التجنيس الكتابي، حين يرسم الحدود الحاسمة لما يدخل تحت مظلة الشعر الفصيح، ولذلك يعبر عنه ضمنيًّا من خلال عدة محاور رئيسية وشق طريقًا جديدًا له في هذا الصدد، فلم يذكر التصنيف في أيقونة مستقلة على الغلاف كما يفعل أغلب الكُتَّاب على أغلفة مؤلفاتهم واستعاض بالعنوان واسم الكاتب والمقطع الشعري في الواجهة الخلفية ليقوموا بوظيفة ضمنية للتصنيف والتجنيس للمنتج الأدبي فمن يقرأ العنوان وأسم الكاتب والأبيات يدرك تمامًا أن التصنيف هو شعر عربي فصيح، ولذا عمد الشاعر – محمد الجداوي – لعدم وضع ايقونة التجنيس وأكتفي بالتصنيف الضمني عن طريق هذه الأيقونات البصرية .
الإهداء:
*****
أطلق الشاعر – محمد الجداوي – أهداء لديوانه – بكارة حلم – متعدد في دلالاته ومقصود في مضمونه ويحمل رسالة خاصة وعامة خاصة حيث قال:
إلى مَن تعشَّقتُها وعشقتُها حتى امتلأت روحي
بها على عجلٍ وفي قلبي تأنٍ بها.
إلى المحبينَ العاشقينَ وطلابِهم الذين يتوقونَ لما عاينوه بأنفسهم.
إلى الذين فقدوه في خِضَّمِ الحياة فنسوه وامتلأت قلوبُهم بغيرهِ حتى اسودَّت فكانت كالكوزِ مُجخِّية.
هاكم الحب
فأحبوا تُقطعْ لكم السعادةَ، وينحسرْ بكم غيرُها.
لا يخلو الإهداء من دلالات قصدية غير أنه من المتعاليات النصية المصاحبة للنص والمحيطة به فهو عتبة نصية مهمة، ” تحمل داخلها إشارة ذات دلالة توضيحية ” ( 9). وهي عتبة ضاربة بجذور في أعماق التاريخ، يرجعها جيرار جينيت إلى زمن الإمبراطورية الرومانية القديمة. وأهم ما ” يفرق بين الإهداءات القديمة عما نعرفه الآن، هو أن الإهداءات في السابق كانت تتموضع في النص ذاته أو بدقة أكبر في ديباجة النص / الكتاب، أما الآن فهي تسجل حضورها الرسمي والشكلي في النص المحيط ” ( 10)، ويعني هذا أن للإهداءات وظائف تداولية وتأويلية وتفسيرية، غير الوظائف المرتبطة بالتقدير والعرفان. وقد اعتمد – الجداوي – على طاقته التعبيرية في الإهداء فكان على عدة محاور أهمها:
الإهداء الأول: وهو من جنس الإهداء الخاص لمن عشقها وتعشقها، هو إهداء غيريًّا كما يراه جيرار جنيت أن الإهداء الخاص– privé موجه إلى شخص معروف كثيرًا أو قليلًا، فتكون العلاقة بين المرسل والمرسل إليه ذات طابع عام ورمزي، كأن تكون علاقة ثقافية، أو فنية، أو سياسية، أو غيرها من العلاقات العامة( 11).
بيد أنَّ ذكاء – الجداواي – في وضع الإهداء العاطفي المراوغ في الصدارة بهذه الصيغة ليترك المتلقي في حيرة من أمره، ويضعه في إشكالية ليتساءل بينه وبين نفسه تري من تكون هذه المعشوقة ؟ وما صفتها بالنسبة للشاعر؟ ولم يصرح بشيء غير هذا العشق الذي وشم القلب وملأ الروح .
ثم جاء الإهداء الثاني في إطار الإهداء العام الخاص فخصوصية في كونه لفئة معينة وهي فئة العاشقين المحبين ” إلى المحبينَ العاشقينَ وطلابِهم الذين يتوقونَ لما عاينوه بأنفسهم ” وعموميته أنه لكل المحبين العاشقين ويصح أن نطلق عليه إهداء عام لجميع المحبين العاشقين بصفة كلية، وبنفس المنطق كان الإهداء الثالث ، ثم كان الإعلان عن العاطفة والدعوة إلى الحب في نهاية الإهداء ” هاكم الحب فأحبوا تُقطعْ لكم السعادةَ، وينحسرْ بكم غيرُها “. ولعل الإهداء في ديوان – بكارة حلم – أسهم في إضاءة النص الإبداعي الشعري، وكشف بنياته الصوتية والصرفية والتركيبية والبلاغية، كما تماهى الملمح العاطفي الذي طبع الإهداء مع باقي المتعاليات النصية من جهة كالعنوان والغلاف واللوحة الشكيلية والإبيات على واجهة الغلاف الخلفية، ومن جهة أخري يتماهى مع النصوص الشعرية في هذه الملمح العاطفي الغزلي، وهنا تظهر الروابط والعلاقة الوطيدة التي تربط الإهداء بالنص الإبداعي التخييلي وبعيدًا عن كونها علاقة توازٍ كما قرر جينت فهي في تقديري أنها علاقة تكاملية متسقة كاشفة ، من خلالها يتضح مسار البنية المعمارية للنص الشعري .
2- اللغة:
******
إن اللغة هي البصمة الروحية للشاعر الممزوجة بالتجربة الشعرية له والمعبرة عن شخصيتة الأدبية ، ولعل من أهم ما يميز لغة الشاعر صدق التعبير عن الأفكار والخواطر الوجدانية عن طريق الإيحاء؛ فالشعر خلق لغوي جمالي ممتع ، يبتعد عن التعبير المباشر وعن لغة التقرير التي تعتمد الألفاظ المرصوفة، والمربوطة ربطًا تعسفيًّا من حيث التشابه الخارجي بين الأشياء، وهو في جذوره موضوع لتجربة نفسية. والعملية الشعرية عملية تحويل التجربة إلى صور انفعالية تترك أثرًا سحريًّا، وإيحاءً رائعًا في نفس المتلقي، ينم عن جهد، وخلق، وإبداع ؛
ولإدراك الشاعر – محمد الجداوي – لإهمية اللغة والبينان كان هذ الإستهلال في المفتتح :
وينمازُ البيانُ إذا بدأنا
بآي الشعرِ نتلوها تباعا
فيحسنُ مَن تلقَّى من معيني
بديعَ القولِ يأخذه اتباعا
يستهل الشاعر ديوان – بكارة حلم – أستهلالًا أنفعاليًّا ببيتين من القوة بمكان لينتبه القارئ أن ما بين يديه ليس ديوانًا غزليًّا عاديًّا لكنه به البيان واللغة والعمق والروحانية التي تنير الطريق لمن أراد المسير لأن يتبع ذاك الضوء الهامس فترى البيان ينماز ” يفصل ويعزل ويفرز ويتفوق ” ( 12)،حين تبدأ قريحة الشاعر بالدفقات الشعرية وهي تحمل اللغة الروحانية والإرث الديني مع الشعور فتجرج الأبيات الشعرية في صورة آيات تتلى نتيجة للتأثر بالإرث الديني الذي يجعل القارئ في حالة من الاستحسان والقبول بل والتأثر والاتباع .
إن الصورة هي الجزء الأكثر فنية في بنية النص الشعري الحديث ، وهي الملمح الرئيس المميز للحداثة الشعرية ؛ ولذا فقد نبه النقاد والباحثون على التميز والتجديد ، من خلال الاهتمام بالجمال اللغوي في خصائصه التعبيرية المستوحاة من الإحساس الداخلي لصور البيان، والتي غدت فيما بعد معيارًا لجودة نظم القول .
وفي تقدير أنَّ الشاعر – محمد الجدواي – بهذين البيتين أرد إرساء عدة قواعد من الأهمية بمكان تتلخص في الأتي:
– عمق الحب يتطابق مع قوة اللغة الشعرية ودرجة شاعريتها.
– لغة الغزل عند الشاعر ممزوجة بأرث ديني وبعد قيمي تعكسة طبيعة الذات الشاعرة .
– الصورة الجمالية لا تتنافى مع الأسلوب المباشر، فالكلام واضع والقصد مفهوم وحده دون التواء رغم وجود الصور والخيال .
3- عاطفة الغزل:
************
لم ينفصل الشعر العربي الأصيل يومًا، عن العاطفة، فالعاطفة دائما تغذي اللغة بامتداداتها من حيث التصوير والخيال والآمال والفكرة التي يُراد إيصالها من خلال النص الشعري، فكلما امتدت شعرية النص في وجدان الشاعر أورقت العاطفة على لغة القصيدة وصار لها مكان في وجدان وفكر قارئها، ذلك أن اللغة العربية بطبيعتها لغة حية متجددة، حسّ ومعنى؛
كانت عاطفة الشاعر جياشة لدرجة أنه يشعر بشعور المحبين وكانت قصيدته ” ليلى اللا يعشقها قيس ” خير شاهد على ذلك حيث يقول في جزء منها :
حسبت الوصل من ليلى
سيأتي حين تنسجها لهيب الشعر في شُعَل تزيد لهيب مَن أوراه؟
هو الإيمان يرشدنا
دليلا نحتمي بحماه
هو القرآن والإنجيل والتوراةْ
تعاليم بها جاءوا
وسل عنها معلمنا وروح الله
مسيح الباطل الممسوخ أهدى الكون فيض حياةْ
يهش القلب يا قلبي على من يبتغي صنوا
فسل موسى تجبك عصاه
سليمان تراه يؤوم أقواما بني الإنسانْ
ومن أبناء إبليسٍ
وكل الطير لن يعصاه
فكن يا أنت تابعهم
إذا أحببت تحميها
كراعٍ والحبيب حماه
****
حينما يمتزج شعر الغزل بالحس الجمال هنا يحدث الإمتاع للمتلقي وفي هذا الصدد يقول الباحث برتليمي: ” إن الأعمال الفنية الجميلة تمتع الإنسان بالجمال الذي تغذيه ” (13 )؛
وهذا ما فعله الشاعر – محمد الجداوي – في استخدام لغة شاعرية وسطى تواكب المعاصرة وما طرأ على الشعر الحر ” شعر التفعيلة ” من تطوير ، تأمل معي حين يتحدث عن الوصل فيقول ” هو الإيمان يرشدنا ، هو القرآن والإنجيل والتوراةْ ، وسل عنها معلمنا وروح الله ، فسل موسى تجبك عصاه ، سليمان تراه يؤوم أقواما، وكل الطير لن يعصاه ”
وهنا يثبت الشاعر أنَّ ﺠﻭﺩﺓ ﺍﻟﻌﻤل ﺍﻷﺩﺒﻲ ﻻ ﺘﺘﻤﺜل ﺒﻜﺜﺭﺓ ﻤﺎ ﻴﻘﺎل ﺃﻭ ﻴﻜﺘﺏ، ﻭﺇﻨﻤﺎ ﺘﺘﻤﺜل ﺒﻤﺎ ﻴﺤﻘﻘﻪ ﺫﻟﻙ ﺍﻟﻌﻤل ﻤﻥ ﺇﺒﺩﺍﻉ ﺠﻤﺎﻟﻲ، له ثأثيرة في المتلقي والقارئ وهذا المقطع يجعلنا نقف على أهم السيمات الفنية التي استخدمها الشاعر في قصيدة الغزل ومنها استخدام اللغة الشاعرية والموروث الديني والصورة الفنية التي جاءت في تشبيهات متعددة لتمرر دفقات شعورية عاطفية غزلية تحمل في طياتها القيم المثلى والمثل العلي وما يجب أن يكون عليه الحبيب وما عليه تجاه من يحب ولذا ختم الشاعر هذا المقطع بهذا السطر الشعري: ” فكن يا أنت تابعهم ، إذا أحببت تحميها ، كراعٍ والحبيب حماه ” استغل الشاعر الموروث الثقافي والرمز الديني المكثف لتقديم النصح والإرشاد لقيس تجاه ليلاه اللا يعشقها قيس ليقول له أنَّ هؤلاء الأنبياء برسالتهم إنما هم قدوة لنا ،
أما عن عاطفة الشاعر الغزلية الخاصة فيقول في قصيدة ” ترنيمة عاشق ”
نجمٌ تلألأ في فؤاديَ وانتثر
فأضاءَ جنبينا بفيضٍ من عِبر
وأنارَ دربَ العاشقِينَ محبةً
ولآلئًا مصفوفةً فيها الدُرر
القُربُ يكوي بالسُهادِ عيونَنا
والبُعدُ يُشقِينا، فهلْ مِن مُعتبِر؟
ادنِي إليَّ حبيبتي وتمهلي
فعناقُنا ترنيمةٌ لا تُنتظر
وفراقُنا جُرمٌ يهدُ شوامِخًا
وجريمةٌ في العمر.. لا، لا تُغتفَر
صُبِّي كؤوسَ هوىً لنا معزوفةً
ولتُرسليها نفحةً لا تنفطِر
تعد قصيدة ” ترنيمة عاشق ” أحد النصوص الشعرية التي تستحدث قيتمها الجمالية، من بكارة ما تضخه من تشكيلات لغوية، وإيحاءات شعرية تجري ممزوجة بضوء الحس، وبوح الجمال؛ عبر الترنيمات التشكيلية التالية : ” نجمٌ تلألأ في فؤاديَ وانتثر – ولآلئًا مصفوفةً فيها الدُرر – والبُعدُ يُشقِينا، فهلْ مِن مُعتبِر؟ – فعناقُنا ترنيمةٌ لا تُنتظر …”
أن كل ترنيم قلبي يمثل تشكيل لغوي جمالي جاذب في التعبير عن حالة الوجد، والتوق العاطفي؛ بما في ذلك الحالة الحسية والروحية؛ مما يحقق لها خصوبة المدلول، وجاذبية الدلالة. وهذا الأمر ينسحب على تشكيلات القصيدة برمتها دون استثناء؛ مما يؤكد شعرية التشكيل في منحاه اللغوي العام ، وهذا ما قاله الناقد عصام شرتح في ملفاته الحوارية مع الحداثة:
” الفن الحقيقي هو الفن القادر على دمج القيمة بالجمال؛ ليحقق تواصلاً من نوع خاص؛ حيث تتضمن القيمة جمالها المندمج بجمال المتعة الفنية، وهي تقدم لنا عالماً ينأى عن العالم المادي القائم على ثقل الأشياء وصلابتها، وهو- أي فن الشعر- بقدرته على عزلنا عن فداحة عالم الواقع، يسمو بنا نحو خلاص روحي هو الانعتاق الفريد، وذلك أسمى ما يضطلع به الفن من مهمات ” (14 ).
وهنا يثبت الشاعر أنَّ الغزل العاطفي، أو العذري، هو غزل يصدر عن صدق وهوى، وعن قلب مترع بأحزان الحب وعن إحساس يضطرم بعشق المحبوبة، وعن نفس ذاقت عذاب الغرام في معترق اللقاء والفراق ” فكان ضوء الغرام لدى قلب الشاعر ومحبوبته منارة لدروب العاشقين إنه غزل يعبر عن تجربة رغم حلو مذاقها إلا أنَّ بها حالة وجدٍ مدمرة عصفت بالشاعر فأرهقته، وترامت عليه فهدته، فجرى الشعر على لهاته، وخرجت دفقاته الشعورية تصور مأساته وترسم بالأسى انفعالاته، وترصد عبراته، ويغني لذاته المتألمة، كل ذلك في لفظ شريف ومعنى عفيف، تغمره المودة والصفاء، ويعلوه السمو ويحفه النور، فأخذ يحاكي المظاهر الكونية من ” نجوم ، وضياء ، ولآلئ ، .. ” وهو بذلك يسمو بالعشق فينقيه من الدونية ويخليه من الوصف الخادش للحياء، فلا تنفر منه النفوس المتزنة وتهواه الأرواح النقية، فيسغي القارئ لأحداث القصيدة متأملًا قصص اللقاء ووجد الفراق .
والجدير بالذكر أن ختام هذه القصيدة هي ذاتها القطعة التي أختارها الشاعر محمد الجداوي لتكون على الوجهة الخلفية لصفحة الغلاف لديوان – بكارة حلم – وقد أحسن الشاعر الإنتقاء لأن هذه الأبيات تعبر عن فضاء من فضاءات الإحساس الصادق سكنت واستقرت في يقين الذات الشاعرة، والتي لم تفتر عاطفتها فأحسنت وصف حالة العشق والوجد في آنٍ معًا.
4- الفخر والمدح:
**************
حرص الشاعر محمد الجداوي على أولى الأغراض الشعرية فكانت في مستهل ديوانه قصيدة ” حروف اسمي ” والتي يقول فيها:
وإنِّي..
حروفُ اسمي تُهدهِدُني
وتمنحُني سماتٍ لا تُفارقُني
فحرفُ الميمِ مُفتَتَحٌ
ومُقتَبَسٌ
ومِرآة ٌبوادي النيلِ أرسمُ ضحكتي فيها
وحاءُ الحبِّ حوراءٌ بناصيتي
وحيرانٌ
على أفواهِ مَن غنُّوا
بعذبِ اللحنِ إذ تشدو بواديها
وميمُ الوسْطِ تُبعدني وتُدنيني
وتضرب ُمَن يُجافيني
سياطًا لحنُها عذبٌ شجيٌّ إذ أغنِّيها
ودالُ الدينِ في عَقِبي
تُعدِّل فيَّ معوجًّا
وتنصحُني وأهديها
ويكفي أن َّهذا الوصف منقوشٌ بعرشِ اللهِ
محفوظٌ هنا في الأرضِ والسموات
ويعلو فوقَ عاليها
محمدْ
في السما نجمٌ
وفي الأرضينَ مختتَمُ الرسالاتْ
*****
يعد الفخر من أحد أهم الفنون الأدبية تأثيرًا على الإِنسان، ويكون بتعداد الصفات الكريمة لمن يفخر وتحسين ما يشوبها من سوء. ونراه يرتبط غالبًا بالشجاعة، والكرم، والوفاء، والحلم، وعراقة الأصل، وما إلى ذلك، والفخر من نتاج العاطفة الجياشة الصادقة، والانفعال القوي. ومن هنا لا يلتزم الفخر بالحقائق التاريخية، بل يعمد إِلى المبالغة وأحيانًا إلى التهويل، وإِطلاق الخيال الخصيب، وتنطلق فيه الألفاظ والعبارات موافقة له، مطابقة لمقتضى حاله شعورية تعتري الشاعر ويعد الفخر أحد الملامح الثانوية في ديوان – بكارة حلم – والذى حرص عليه الشاعر محمد الجداوي في صدر الديوان فكانت ثان القصائد بعد الأبيات الأفتتاحية، حيث يفخر بحروف أسمه ويماهي بينها وبين ما تمنحه من صفات وبينها وبين وادي النيل ، ويمرر دفقات الحب التي تعترية عبر حرف الحاء ليصل في النهاية إلى أن الأسم بأكمله منقوش بعرش الله لانه في المبتدأ أسم الرسول الكريم عليه الصلاه والسلام ومن هنا حق له أن يفخر وأن يمدح به سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم .
كان الفخر عن الشاعر محمد الجداوي ليس انطلاقا من حب الذات كنزعة إنسانية طبيعية وحسب، لكنه كان وسيلة لرسم الصور الشاعرية المغايرة الصادمة الحادثة للدهشة كما في هذه الدفقات الشعورية ” ومِرآة ٌبوادي النيلِ أرسمُ ضحكتي فيها – وحاءُ الحبِّ حوراءٌ بناصيتي – سياطًا لحنُها عذبٌ شجيٌّ إذ أغنِّيها – ودالُ الدينِ في عَقِبي .. تُعدِّل فيَّ معوجًّا..وتنصحُني …”
جعل الشاعر محمد الجداوي من الميم مرآة بوادي النيل يرسم على ضفافها ضحكته لوحة فنية بارعة، وجعل من الحاء حبًّا ومحبوبة حوراء توشم جبينه ، ومن الدال دينًا يقومه ويعدل سلوكه المعوج، وهو بذلك يدخل دائرة الإبداع، حيث يعد الشاعر المبدع هو الأقدر على إكساب الصور المجردة أو التجريدية رؤية حسية جمالية ولذا ” الفنان المبدع بما تتسم به مخيلته في سعة معهودة هو الأكثر قدرة على العيش بصورة دائمة مع كثافة اللحظة الشعرية وضغوطاتها التي تتحول وتتغير باستمرار ” ( 15).
لقد جاءت التركيب اللغوية للشاعر – محمد الجداوي – تمثل لمحة جمالية في حيز التناغم، والإدهاش النسقي، وهو بذلك بصنع في نصه الشعري تشكيلات لغوية آسرة بها يزدان ضوءا، ويزدهي خاصة في سياقه البنيوي وإحساس الروحي الدافق .
ونخلص إلى ما يلي
**************
– لقد نجح مصمم الغلاف في ابتكار اللوحة الشكيلية لصورة الغلاف لديوان – بكارة حلم – والتي تتماهى مع موضوع الديوان لانها تصنع لوحة متكاملة لقصة حب عذري الملمح والمعبر عنه بصورة فتاه تحلم بالحياة الصافية المثالية المليئة بالحب والنقاء والخير والأمل والإشراق وفي ذات الوقت تتمسك بالأصالة والتراث ، تشير لوحة الغلاف المطلية باللون البني وتدرجاته، إلى عدة دلالات، حيث غطى مساحة الغلاف بأكمله، وحسب رأي علم النفس في معاني الألوان، يشير اللون البني إلى العاطفة، بألوان زاهية وفي ظل أجواء يغلب عليها الطابع الرومانسي، تلك اللوحة الواقعية تشير بصورة مباشرة إلى أحداث الديوان، حيث الانسجام التام بين لوحة الغلاف، ورسوماته، وأشكاله، وألوانه وبين العنوان ومضمون النصوص وكأن تلك اليد أرادت أن تفرغ شحناتها الانفعالية على الورق، ليستريح الفؤاد من ضجيج العاطفة الكامنة في الذات الشاعرة ، وصورة الفتاه وسط هذي الأيقونات البصرية توشي بأنها ستكون بطلة الديوان وأن ملمح الديوان في القراءة الأولى للأيقونات البصرية واللوحة التشكيلية سيكون من العزل العفيف في بنية معمار النصوص فيما بعد.
– لقد نجح الشاعر – محمد الجداوي – في اختيار عنوان الديوان – بكارة حلم – ليقف المتلقي أمامه وهو مؤثث بالدهشة والحيرة، ومتوجس من الإغواء والإغراء القصدي، ولا سيما أنَّ العنوان يتسم بالمراوغة التي لا تسلم نفسها بسهولة إلى المتلقي، لأنها تخفي دلالاتها بامتناع يمتاز بالغرابة، وهو بذلك أثار حافظة المتلقي للقراءة للوقوف على بعض الإشكاليات التي علقت في ذهنه في أولى المواجهات بينه وبين النص ليكشف عن دلالات المعنى الكامن وراء بكارة الصورة الشعرية.
– تجاهل الشاعر أيقونة التصنيف عن مقصدية، ليعبر عنها ضمنيًا من خلال أسم الشاعر فهو معروف بأنه شاعر فصحى وكذا عنوان الديوان والأبيات الموجودة على الواجهة الخلفية للغلاف فمن يقرأ هذه المنصَّات يدرك تمام بما لا يضع مجال للشك أنَّ بين يدية ديوانًا من الشعر الفصيح.
– لقد عمد الشاعر محمد الجداوي إلى وضع إهداء يأخذ الملمح العاطفي ليتماهى مع باقي المتعاليات النصية فجعله مراوغًا يثير حافظة المتلقي لمعرفة ما جال في خاطره من إشكاليات وتساؤلات لكنه مشفوعا بعبارات رقيقة قوامها المودة والمحبة والعشق ليماهي من جهة أخرى مع موضوع ديوان – بكارة حلم – ومحوره الغزلي الرئيسي.
– استخدم الشاعر لغة وسطى رقيقة دون استفاف أو تقعر، مع احتفاظ تام بالمستوى الفصيح في بنية القصائد، وكان الغزل أطوع في التجديد، داخل الإطار العمودي التقليدي أو الإطار الحر ” شعر التفعيلة ” فجاءت اللغة شاعرية في صورها وعميقة في المضمون تخرج عن دفقات شعورية صادقة ممزوجة بالإرث الثقافي والديني الكامن في الذات الشاعرة ولذا فإنها لامست شعور المتلقي ” القارئ / المؤول “.
– في معترك دروب الغزل استخدم الشاعر الموروث الثقافي والرمز الديني ليمرر دفقات شعورية ونصائح وارشادات للعاشقين من خلال القدوة الحسنة بمكارم الاخلاق والشهامة مع المحبوبة، وادرك تمامًا أنَّ اللغة هي الوسيلة الأولى لعملية التواصل مع الآخرين، غير أنها تتعدَّى وظيفتها الاجتماعية المحدودةَ هذه، فتشكِّل الأساس في عملية بناء القصيدة؛ إذ تمثِّل الطريق الموصلة بين المبدع والمتلقِّي، فتؤدي بذلك وظيفةً أخرى، تتمثَّل في إيجاد روابطَ انفعالية بينهما، فتتَجاوز بذلك لغة التقرير ولغة المعاجم إلى لغة التعبير والتعدد الدلالي، فالكلمة في المعجم تؤدي معاني معروفة من اللغة بالضرورة، أما حينما تستخدم اللغة في نص إبداعي فتكون عاملًا في النص الشعري تؤدي دورا غير متعارف عليه فتتعدد دلالاتها، وتسعى للكشف عن العواطف والأحاسيس، والانفعالات الكامنة في قلب الشاعر، ومحاولة إيصالها في نفس المتلقي تفاعلًا مع الحدث.
– لقد كان الفخر الذاتي كثيرًا جدًا، وقد نبت تلقائيًا من نفوس تهوى العزة، وتعشق المجد، إلا أنَّ الشاعر – محمد الجداوي – حرص علي غرض – الفخر – في ديوانه لإداركة أنه أولى الأغراض الشعرية فكان في مستهل القصائد وعد ضمن إطار الفخر الذاتي، وفيه أفتخر الشاعر بحروف أسمه، غير قاصرًا فخره عليها فقط لذاتها، بل أرجع هذا الفخر في النهاية لكون أسمه على أسم سيد الخلق فحق له الفخر، وانهى القصيدة بالمدح والثناء على صاحب الأسم الأول محمد صل الله عليه وسلم.
الهوامش والمراجع
****************
1- معجم المعاني الجامع – معجم عربي عربي – مادة ” غزل “.
2- سراج الدين محمد : الغزل في الشعر العربي، موسوعة المبدعون، دار الراتب الجامعي، بيروت، لبنان، ص 20.
3- المرجع السابق
4- Gérard Genette, Seuils, Collection poétique, Seuil, Paris, 1987
5- جميل حمداوي: (السيميوطيقا والعنونة)، مجلة عالم الفكر، وزارة الثقافة، الكويت، العدد 03، المجلد 25، 1997: ص96.
6- محمد جمال الدين ابن منظور: لسان العرب، مصدر ” بكر”
7- معجم المعاني الجامع – معجم عربي عربي المعجم الوسيط، اللغة العربية المعاصر، الرائد، لسان العرب، القاموس المحيط.
8- جميل حمداوي: (السيميوطيقا والعنونة)، مجلة عالم الفكر، وزارة الثقافة، الكويت، العدد 03، المجلد 25، 1997: 101.
9- حسن محمد حماد: تداخل الأنواع في النصوص العربية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997م، ص 64.
10- عبد الحق بلعابد: عتبات (جيرارجينت من النص إلى المناص): الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2007م، ص 94 .
11- Gérard Genette : Ibid, p : 123
12- محمد جمال الدين ابن منظور: لسان العرب، مصدر ” ميز”
13- جان برتليمي: بحث في علم الجمال، تر: أنور عبد العزيز ، المركز القومي للترجمة، سلسلة ميراث الترجمة، عدد 1821، 2011م، ص 512 .
14- عصام شرتح: ملفات حوارية في الحداثة الشعرية(حداثة السؤال أم سؤال الحداثة)، دار الأمل الجديدة، 2012م، ط1، ص366
15- قصي حسين: تشظي السكون في العمل الفني، 1998م، ص207.
——————
admin