قصة قصيرة : إنجى عبده مقلد – مصر
فى قرية بعيدة تطل على النهر أهلها طيبون، تبدو ضفة النهر مستقيمة على مرمى البصر إلا فى نقطة صغيرة، تخترق قطعة أرض مجرى النهر فتظهر و كأن النهر يحتضنها.
كانت هى الميراث الوحيد الذى حصل عليه محمود الصياد بعد وفاة والده.
بنى عليها منزلا صغيرا جداً يبدو من الخارج كأنه كوخ، الجدران من بقايا قوالب الطوب، والسقف من الجريد، يظهر للناظرين وكأنه غرفة واحدة،لكنه من الداخل مقسم لغرفة
للنوم وأخرى المعيشة ومكان منفصل لأدوات الصيد.
تزوج محمود من كريمة الجميلة بنت الصياد أيضا، وعاشا فى سعادة و تعاون.
يذهبان معا عند حمرة الشمس وقت الغروب لرمى الشبكة فى النهر .
تمضى أيامهما بين أمرين لا ثالث لهما،
إما قضاء الليل كله حتى الفجر فى النهر بمركبهما الصغير ينتظران الرزق من الله ويكون ذلك صيفا،
أو العودة إلى منزلهما الصغير ثم تكرار الذهاب إلى مكان رمى الشبكة قبل الفجر للحصول على ما رزقهم الله به وذلك فى الشتاء.
عاش محمود و كريمة حياة سعيدة،
ما بين نهر و سوق، وما بين صيد و بيع، امتزجت الأرزاق بالرضا.
تعبت كريمة فتركها محمود فى المنزل و ذهب لجمع شبكته،
ويا لها من مفاجأة! !!!
للمرة الأولى منذ فترة طويلة الشبكة ممتلئة عن آخرها بالسمك.
ذهب و هو فرحان إلى المنزل، قابلته كريمة بفرحة أضعاف فرحته، قائلة له ”سيكون لدينا طفل بعد تسعة أشهر ”
فرد مسرعا”سأسميها أرزاق ”
ويبدو أنه إسم على مسمى لأن أرزاق ولدت ومعها الخير الكثير.
شاركتهم حياة النهر و السوق والشبكة ست سنوات.
أصبحت تجيد صنع أكواب الشاى لوالدها على الموقد الصغير فى المركب فيحصل منه على الدفء اللازم لمواجهة ليالى الشتاء القارصة فى النهر.
باتت أرزاق تترقب الأسماك المختبئة بين الصخور و الأعشاب بحثا عن الدفء فى فصل الشتاء، وتجيد صيدها، فالرزق فى الشتاء وفير .
جاء وقت دخولها المدرسة، قرر محمود أن تتفرغ أرزاق للدراسة ،و تهتم كريمة برعايتها ،وأن يعمل هو بمفرده، فقد أصبح تاجر سمك كبير فى السوق.
لكنها كانت الصدمة! !!!!!!
فأرزاق لا تجيد الحياة على البر، ومفتقدة لمهارات اللعب مع غيرها من الأطفال.
ولأنها ابنه عم محمود والست كريمة الطيبين بدأت تتقرب من زميلاتها فى الدراسة.
رسمت لإحدى زميلاتها ”بورتريه”أظهرت فيه ملامح وجهها الجميل فكانت حديث المدرسة كلها.
أصبحت أرزاق متفوقة فى دراستها، محبوبة بين مدرساتها وزميلاتها.
تهوى وتحترف الرسم، برزت فى توثيق بيئة الصيادين بكل تفاصيلها.
مرت السنوات. …….
التحقت بكلية الفنون الجميلة، وأنهت دراستها الجامعية.
وها هى الآن تشارك فى أكبر معارض الرسم، ومعروفة بين الفنانين بإسم ”بنت النيل ”
وفى” جاليري ”كبير للفنون التشكيلية، شاركت أرزاق بمجموعة كبيرة من الرسومات. …
فى مقدمة المعرض لوحة كبيرة،عليها وجهان مصريان بلون النيل ”عم محمود الصياد و زوجته كريمة”
كتبت تحت الصورة بخط فنى جميل …
”أرزاق”
admin