منصة المشاهير العرب مرخصة من الهيئة العامة للاعلام المرئي والمسموع السعودي , ترخيص 147624
الصفوة

آخر سلاطين الأرض..

06/ يونيو /2021
avatar admin
253
0

السلطان قابوس بن سعيد

قائد حكيم وآخر سلاطين الأرض..

 

يعود الفضل للنجاحات والإنجازات التي حققتها النهضة العمانية الى صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد , فقد انتظرت عمان طويلا شعبا وارضا حاضرا ومستقبلا, تبزغ فيه شمس النهضة بقوة وإرادة وبرؤية ثاقبة وفكر مستنير نحو غاياتها وأهدافها…

 

وعندما أعلن جلالته انطلاق المسيرة المظفرة في الثالث والعشرين من يوليو 1970 اشرقت عمان وشعبها على عهد جديد عادت فيه الحياة وعاد الامل واستعاد المواطن العماني ثقته في ذاته وفي حاضره ومستقبله ,وعلى مدى سنوات من العمل والجهد والعطاء في كل المجالات ارتفعت على هذه الارض الطيبة صروح دولة عصرية راسخة تستمد قدرتها وقوتها على الانطلاق ليس من عناصر قوة تقليدية…

 

ولكن من علاقة فريدة وشديدة الخصوصية بين جلالة السلطان المعظم وأبنائه على امتداد هذه الارض الطيبة, حيث استلهم السلطان قابوس ووضع رؤية واضحة دقيقة وذلك بتحقيق التقدم والازدهار في كافة الجوانب لتحقيق الطموحات بسواعد الانسان العماني الذي تحمل وتتحمل مسؤوليات العمل والتنمية الوطنية في كل المجالات بكفاءة ومسئولية عالية ايمانا بان ذلك هو هدف التنمية وغايتها كما انه هو اداتها وصانعها, فقد أسس جلالته نهضة شاملة في ربوع السلطنة وطنية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية، وذلك من أجل رفع اسم عمان عاليا على المستوى الإقليمي والعالمي لتستعيد عمان دورها ونشاطها كأحد الأطراف المؤثرة في مجريات الأوضاع في الخليج والمنطقة من حولها ، وأعاد لها أمجادها التاريخية وعظمتها الحضارية…

 

ومن الأهمية بمكان التأكيد على أن نجاح النهضة قد تحقق لأن خلفه قائد حكيم، ذو نهج قيادي متميز على المستوى المحلي مع شعبه الوفي، وعلى المستوى الخارجي مع القادة العالميين ودولهم ومنظماتهم وقضاياه …

 

قابوس بن سعيد الذي تولى زمام الحكم في 23 يوليو من عام 1970 م ولد في الثامن عشر من نوفمبر من عام 1940م  وتلقى تعليمه الأساسي في السلطنة ثم انتقل إلى بريطانيا لإكمال تعليمه، والتحق بأكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية وأخذ منها العلوم العسكرية، وأحدث تغييرات جذرية في البلاد بعد توليه الحكم، إذ أقام دعائمها ومضى بمسيرتها التنموية قدمًا بما ينافس غيرها من الدول المتقدمة وتولى إدارة شؤونها بحنكة وحكمة بالغة …

ونحن الأن في هذا الوقت في حاجة ماسة إلى الكشف عن بذور النظرية السياسية في أدبيات (السلطان قابوس آخر سلاطين الأرض) وقراءة الخارطة الفكرية والسياسية لنظرية الحكم في سلطنة عمان عبر قراءة تحليلية معمقة تستند إلى منهجية وتستند إلى المنهج التاريخي، في قراءة الخطاب السياسي لصاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد عبر مسيرة أربعين عاما من الحكم الرشيد…

وبمطابقة المراسيم السلطانية والقرارات الوزارية المفسرة لها بالوقائع على الأرض لمقارنة ومقاربة مدى التطابق بين التنظير والتطبيق ؛ يحتل التحليل التاريخي المستند إلى المقاربة والمقارنة والتدقيق المنهجي مكانة أكبر بكثير من حقول علمية أخرى، والمحصلة تكون تعزيز استخلاص خبرة سياسية ملموسة، ربطاً بالنموذج المفاهيمي في التحليل النظامي و الوظيفي للواقع والبنية والحالة الموضوعية. وانطلاقا من هذا المنهج نرى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس قد أكد في خطابه السامي عام 1978 على” أن إنشاء دولة عصرية من النوع الذي يواكب احتياجات هذا العصر ،لم يكن بالأمر اليسير والسهل بالنسبة إلى أمة .. وإن كان لها تاريخ عريق وفتوحات مجيدة ورفع راية الإسلام في وجه كل ما من شأنه النهوض بها ورفع مستواها وتطورها…

 

ولكنه قد تغلب على معظم العقبات والصعاب وكوَّنا حكومة حديثة بجميع مؤسساتها ومنشآتها لتفي بكل متطلبات التطور السريع الذي فيه مصلحة الوطن  وتؤكد القراءات المعمقة للفكر السياسي عند جلالة السلطان أنه أدرك الأيديولوجيا حيث تتحول في وعي من يعتنقونها بإنها عقيدة جامدة وحقائق يقينية مطلقة وثابتة لا سبيل إلى مراجعتها أو إعادة النظر في بعض يقينياتها . وقد يحصل إيمان بثابتية الأيديولوجيا ومطلقيتها …

 

إما من باب الخلط بينها وبين المعرفة وحسبان نظام التصورات والرؤى فيها نظاما معرفيا ، أو من باب التمسك الاجتماعي بقيمة أو قيم تعبر عنها تلك الأيديولوجيا والظن بأن مراجعة الأيديولوجيا ما هي إلا الوجه الآخر للتراجع عن تلك القيم وفي الحالين تكون النتيجة الحكم على الأيديولوجيا المتبناة بالانحطاط وبالعجز عن أداء وظيفتها الاجتماعية ويحوِّل هذا النوع من الوعي الجامد بالأيديولوجيا والعلاقة بها إلى عقيدة دينية جديدة…

 

 

من كل ما سبق نستنتج هنا الصفات الثلاث الجوهرية للاجتماع السياسي الذي تحقق في سلطنة عمان منذ مطلع السبعينيات على يد جلالة السلطان قابوس بن سعيد  هذا الاجتماع سيكون لديه: قوانين، معروفة وواضحة ومجربة  قاضٍ يطبق القوانين بشكل موضوعي، وهذا ممكن لأنه لا يطبق قوانينه الشخصية بل قوانين الجماعة أو المجتمع السياسي…

سلطة تستطيع تنفيذ الأحكام ، وهذا ممكن أيضا لأن من سيملك السلطة هي قوة مشتركة مكونة من كل الجسم الاجتماعي…

من يريد مميزات قيام الدولة عليه القبول و احترام هذه القوانين التي تكفل الحرية التي كفلتها القوانين الطبيعية و بالتالي يتم التخلي عن الحق الطبيعي في العقوبة لصالح السلطة إلا في حالات الدفاع عن النفس حيث الضرورة والحالة الطارئة لا تسمح للسلطة بالتدخل الفوري…

وهنا انتقلت سلطنة عمان لما نسميه بـ“العقد الاجتماعي”، هذا العقد الذي لن يجعلنا نخسر أو نفقد حقوقنا في تبادلها مع الآخرين إلا أن السلطان قابوس ومنذ بداياته قام رحمه الله بزيارة معظم العواصم العربية، وبعضها أكثر من مرة , فإلى جانب الرياض زار المنامة، والقاهرة، وأبوظبي، والدوحة، وعمان، وطرابلس المغرب ودول أخرى …

وفي سنة 1973 صارت عمان عضوا في حركة عدم الانحياز وعلى هذه الصورة كانت عمان رغم وجودها على الخط الأمامي للنضال ضد توسع الشيوعية العالمية، وترى آفاق العالم المتعدد الأقطاب الذي تستند حياته لا إلى التنافس والتناحر بين التكتلات العسكرية والسياسية بل إلى التعاون والمشاركة المتعددة الجوانب…

وانطلاقا من هذا المبدأ فقد أدرك جلالته حينها بأن ” السيرة الحسنة كشجرة الزيتون لا تنمو سريعاً ولكنها تعيش طويلاً” وأن المجتمع لا يمكن إصلاحه بين ليلة وضحاها ؛ بل يجب أولا نشر المثاليات بين أفراد المجتمع والإيمان بنهجها أو جدواها فحينما تشعر الشعوب أو المجتمعات المركبة بأن القانون هو الأساس أو السلطة الواجب الأخذ بها فإنها وضعت أقدامها على الطريق المناسب لذلك لابد أولا من تثقيف الشعب بهذه المفاهيم وجعلها الركائز الأساسية لبناء المجتمع الإنساني الذي نحلم بتكوينه أو ننشد الوصول إليه …

على الصعيد الخارجي فقد رسم سياسة عمان الخارجية وفق أسس ومبادئ راسخة تقوم على التعايش السلمي بين جميع الشعوب وحسن الجوار وعدم التدخل في الشئون الداخلية للغير والاحترام المتبادل لحقوق السيادة الوطنية ومد الجسور مع الأخرين وفتح افاق التعاون والعلاقات الطيبة مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة على امتداد العالم وفق اسس واضحة ومحددة ومعروفة للجميع منذ أن انطلقت مسيرة النهضة المباركة …

 

وأملت مواقف جلالته في الساحة الدولية أخلاقية الموقف الثابت والمتوازن ومبادئ الوضوح والندية في التعامل في مختلف القضايا الإقليمية والدولية والمعاصرة…

 

وقد اكتسبت الدبلوماسية العمانية ابرز سمات الشخصية العمانية المعروفة بالهدوء والصراحة والوضوح في التعامل مع الاخرين وامتلكت من الشجاعة والثقة في النفس ما مكنها دوما من طرح موقفها والتعبير عنها بعيدا عن الازدواجية و الحرص على بذل كل ما هو ممكن لدعم اية تحركات خيرة تسهم في تحقيق الامن والاستقرار والطمأنينة والحد من التوتر خليجيا وعربيا ودوليا …

 

ومما يزيد من قدرة السلطنة في هذا المجال انها ليست لها خلافات او مشكلات مبدئية مع دول او شعوب اخرى وانها تتعامل مع مختلف القوى والاطراف الإقليمية والدولية طالما يبادلونها نفس المواقف والمبادئ التي تنطلق منها وتقوم عليها سياساتها وفي اطار القانون والشرعية الدولية…

 

لم يخُض السلطان قابوس أي حرب، وكان دائم الحرص على تقريب وجهات النظر؛ لإدراكه أن الحلول السياسية أنجع من الحلول العسكرية.

 

وفي ليلة باردة، هزنا خبر حزين، ومشاعر لا يمكن وصفها، رحيل السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور، طيّب الله ثراه، حيث أعلن ديوان البلاط السلطاني، لتذرف الأعين أغلى الدموع على الوالد والقائد والباني، ولقد خلّف رحيل السلطان قابوس جرحا لا يندمل في القلب كونه والد عمان الحديثة ومؤسس نهضتها , رحل بعد أن ترك بلادا متقدمة مزدهرة تنعم بالأمن والأمان، وبعد أن آخى بين أبناء شعبه؛ فلا فرقة ولا تفريق، وبعد أن رسخ المساواة بعيدا عن كل طائفية ومناطقيه وقبلية، معتبرا شعبه أبناء له حتى أضحى العماني من مسندم إلى أقصى جبال ظفار أخا لأخيه العماني.

أحب شعبه واحتواه، حتى أولئك الذين أخطأوا، لم يعاملهم بقسوة بل احتواهم وسدد وقارب، فبادلوه الحب والامتنان وأضحوا أقرب المحبين وأشد الموالين بسبب حكمة جلالته، وإيمانه الصادق ورؤيته السديدة… دفن السلطان قابوس يوم الجمعة 14 جمادى الأولى 1441 الموافق 10 يناير 2020 م..

 

 

عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 11331

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.