أحمد جمعة
ﻓﻲ بغداد..
ﺭﺃﻳﺖُ ﻃﻔﻠﺔً ﺗﻐﺴﻞُ ﻭﺟﻪ ﺃﻣّﻬﺎ ﺍﻟﻤﺜَﻘّﺐِ ﺑﺎﻟﺮﺻﺎﺹ،
ﺑﺪﻣﻮﻋِﻬﺎ ﺍﻟﺴﺎﺧﻨﺔِ،
ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗﺤﻤﻞُ ﻋﻠﻰ ﺻﺪﺭﻫﺎ
ﺃﺧﺎﻫﺎ ﺍﻟﺮﺿﻴﻊ.
ﻓﻲ دمشق..
ﺭﺃﻳﺖُ ﺭﺿﻴﻌًﺎ ﻳﻤﺺُ ﺣﻠﻤﺔَ ﺫﻋﺮِﻩِ،
ﺑﻴﻨﻤﺎ ﺗﻘﺒّﻞُ ﺭﺃﺱ ﺃﻣّﻪِ:
ﺭﺻﺎﺻﺔٌ.
ﻓﻲ صنعاء..
ﺭﺃﻳﺖُ ﺃﻣّﺎً ﻟﻤّﺎ ﺗﻴﻘﻨﺖ ﻣﻦ ﻫﻼﻛﻬﺎ،
ﺑﺘﺮﺕ ﺛﺪﻳﻬﺎ ﺍﻟﻤُﻌﻠّﻖ ﺑﻔﻢ ﺭﺿﻴﻌﻬﺎ،
ﺛﻢ ﺟﺮﺕ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻘﺬﻳﻔﺔِ؛
ﺗﺼﺪّﻫﺎ.
ﻓﻲ بيروت..
ﺭﺃﻳﺖُ ﺃﺑًﺎ ﻭﺃﻣًّﺎ ﻣﺘﻌﺎﻧﻘﻴﻦِ،
ﻋﻠﻰ ﺷﻜﻞِ ﺧﻴﻤﺔٍ،
ﻭﺗﺤﺘﻬما ﺃﻃﻔﺎﻟﻬما ﻧﺎئمين.
في القدس..
رأيت أما تضع التراب على رأسها،
وتصرخ: من سرق الجنة
من تحت قدمي؟
ﻓﻲ سيناء..
ﺭﺃﻳﺖُ ﺟﻨﺪﻳًﺎ ﺑﻴﺪﻩِ ﺯﻣﺰﻣﻴﺔُ ﻣﺎﺀ،
ﻳﻀﻌﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻓﻢِ ﺻﺪﻳﻘﻪِ؛ ليسقيه.
رأيتُ ﻛﻠﻴﻬﻤﺎ ميّتا،
ﻭﺣﺪﻫﺎ ﺍﻟﺰﻣﺰﻣﻴﺔُ ﻋﻠﻰ ﺟﺜﺘﻴﻬﻤﺎ
ﺑﻘﻴﺖ ﺗﻘﻄﺮُ ﺩﻣﻮﻋﺎ.
في الدار البيضاء وتونس..
وبينما القتلة يحتفلون بالعيد،
رأيتُ ﺍﻷﻃﻔﺎﻝ يملؤﻭﻥ ﻣﺴﺪﺳﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﻤﺎﺋﻴﺔ
ﻣﻦ ﻋﻴﻮﻥ ﺃﻣﻬﺎﺗﻬﻢ ﺍﻷﺭﺍﻣﻞ،
ﻳُﻄﻠِﻖُ ﺃﺣﺪﻫﻢ ﻗﻄﺮﺓ ﻟﺼﺪﺭ ﺍﻵﺧﺮ،
ﻓﻴﺴﻘﻂُ ﻣﻀﺮﺟﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻠﺢ.
في طرابلس..
وبينما القتلة يحتفلون بالعيد،
كانت الأمهات الفقيرات
تصنعن لأطفالهن طائراتٍ من ورق
رأيتُ أحدهم أطلق واحدة،
فانكفأ الباقون على بطونهم،
عاقدين أكفّهم خلف رقابهم.
في الخرطوم..
ﺍﻷﻣﻬﺎﺕ ﺻِﺮﻥ ﻣﺆﺭﺧﺎﺕ ﻋﻈﻴﻤﺎﺕ؛
ﻛﺘﺒﻦَ ﺗﺎﺭﻳﺦَ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺑﻤﻠﺢِ ﺩﻣﻮﻋﻬﻦ
ﻋﻠﻰ ﺻﻔﺤﺎﺕ ﺑﻴﻀﺎﺀ ﻛﻌﻴﻮﻧﻬﻦ،
ﺳﻤّﻮﻫﺎ: ﻣﻨﺎﺩﻳل.
ﻓﻲ مقديشو ..
ﻣﻌﺪﺓ ﺍﻟﻔﻘﺮﺍﺀ ﺗﺸﺘﻬﻲ ﺃﻱ شيء،
ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﺭغيفا محشوًا
ﺑﺎﻟﺮﺻﺎﺹ.
في الجزائر..
ﻛﻤﺌﺬﻧﺔٍ ﻳﺘﻴﻤﺔٍ،
ﻭﻗﻒَ ﻳﻠﻮّﺡ ﻟﻘﻮﺍﻓﻞ ﺍﻟﺸﻬﺪﺍﺀ ﺍﻟﺼﺎﻋﺪﺓ ﻟﻠﺴﻤﺎﺀ:
ﻋﻠﻢُ ﺍﻟﻮﻃﻦ.
في تونس..
رأيت البلاد لسنوات تعجن أبناءها،
ثم ناولتهم للحرﺏ ﺃﺭﻏﻔﺔً ﻃﺎﺯﺟﺔ،
مغمسة ﺑﺎﻟﺮﺻﺎﺹ.
في الخليج..
رأيت شعراء يتمرغون في النعيم،
بينما يتصنّعون الحزن في مجلاتهم،
رأيتهم يكتبون:
“ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﺃﺣﺪٌ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺮﺏ، ﻭﻻ ﺣﺘّﻰ ﺍﻷﻏﻨﻴﺎﺕ،
ﻭﻻ ﺍﻟﺨﻮﺫﺍﺕ ﺍﻟﺤﺎﻟﻤﺔ”
“لا شيء أسوأ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺮﺏ،
إلا ﺃﻥ ﻳﻤﻮﺕ ﻣﻦ ﺗﺤﺐُ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﺏ، ﻭﺗﻌﻴﺶُ”.
admin