منصة المشاهير العرب مرخصة من الهيئة العامة للاعلام المرئي والمسموع السعودي , ترخيص 147624
واحة الإبداع

رسائل لا تحتاج لطوابع أو ساعي بريد،(الرسالة 29 )

24/ أكتوبر /2021
avatar admin
224
0
عاطف معاوية
إلى المعلم، إلى الشاعر دمعة المتوسط، محمد أفيلال ..
منذ زمان بعيد لم نجلس معا أنا وأنت ..
حينما سقطت الزمردة بكيت، كانت بيتا لنا بيت القصيدة
و الحب فيها ذكريات عديدة تحملها الجدران
والذاكرة، فيها التقيت أشخاص أحبهم منهم من رحل عنا
تاركا قصائد يتيمة تقاوم الغياب مثلنا، ومثلنا
بقيت ناقصة من نوافذ كنا نطل منها على أنفسنا لنرى
كم نحن بحاجة للشعر للرووح القديمة التي
تتقاسم معنا ملامح قرية نتعزى بها في أيام لا تصلح سوى
للعزاء للبكاء، تتكاثر الأيام لكنها ليست
بمذاق الحياة الأولى، هل ينقصنا الإيمان أم ينقصنا الموت لنرتاح ونتراجع !
تعذبني الكتابة كما يعذبني الحنين، الحنين القاتل الذي يمشي معي،
يسبح، يأكل، ينام، يبكي يضحك
معي، معي يفعل ما أفعله ولا يمضي، هذا هو المنفى، منفى بأبواب مفتوحة هاربة من سيرتها
لتغرقنا نحن الذين نمتهن الكتابة لكي نبقى هنا أحياء، فحين يمتهننا الحنين والوجع لنعود لسجننا
المعهود بذكرى أكبر من كل سؤال، لما تحطمت القرية، وأين رحل الصيادون بقاوربهم الزرقاء ؟
أليس هذا هو السؤال الذي لم نبحث عن جواب له طيلة العمر، والسنين الهاربة، أليس الحنين سبب
من أسباب الموت، فتأكد يا عمو أفيلال أنني سأموت حنينا وحنينا سيأخذني الموت لِوكره كأرنب،
سأمكث وحيدا بالفاتحة وسورة ياسين وعطرا و بصمت وظلام أسود بلا انقطاع، لكنني سأحمل في
لحمي ملح هذه الأرض وقبلات أمي المرسومة على جبيني على قلبي كما سأحمل فرح جدتي التي
ستطيل البكاء عليّ، ستبكي وستطعم عصافيري بحنانها و ستقرأ فجرا صلاتها مرتين من أجلها ومن
أجلي ودعاء تختم به حبنا الأبدي.
عمو أفيلال دائما ما تسكننا الأسئلة التي يصعب تكرارها يصعب نطقها أمام القصيدة لأن القصيدة
مشروع أشد خطورة من الموت وأقوى من الجواب وأكبر من الصحراء، لهذا تبقى دائما لقاءتنا مفتوحة
لتساؤلات أكبر من الفلسفة، من الأجوبة الروتينية، وكم أكره الروتين في الجواب!
لهذا يحبنا البحر دائما، يجدد فينا ملوحته بتكرار الحب الذي فينا بتكرار المعنى، المعنى الذي لم يعره
الآخرون اهتماما، كالسؤال…
لهذا السؤال كالطفولة، كالشاعر الذي يسكننا بحزنه الدائم.
أخبطك لقدرتك على هذا الصمت الطويل في الكتابة، لا أقدر على الصمت الكتابي، مرارا حاولت أن
أتخلى عن فعل الكتابة ، لكنني أفشل دائما، حاولت أن أمارس هواية الصيد، أن لا أقرأ أكثر، أن أنقطع
عن عالم الأدب نهائيا لكنني أفشل مرارا، آخر مرة أقدمت على تربية الوقت ستسألني كيف! حاولت أن
أغير نمط العيش الروتين اليومي، أستيقظ باكرا أمارس الرياضة وأذهب للعمل وفي المساء أتجول في
الغابة وغالبا أذهب للصيد في البحر، لكن البحر لم يتركني كلما دَخلتْ رائحة الملوحة لأنفي تذكرت
القرية الأولى تذكرت بعض البحارة وهم يجرون الشباك العالقة و المثقلة بأسماك السردين وشيئا من
فرح وفير، تذكرت نساء يبعن قرنفلات و فواكه البساتين سلات مليئة بالتين والزعرور و في الخريف يحل
موسم القوسطال يحملنه للبحر قرب الكنيسة ويبعنه، أين تلك النسوة اللواتي كن ينصتن لآلامنا
وتسندن جدران الوجع بداخلهن لكي لا نرى نحن ألامهن بوضوح. عمو أفيلال الكتابة جرح يسيل كلما
طال به الحنين و طال به الزمن، لهذا ما عليك سوى أن تكتب وتكتب
عمو اشتقت للزمردة تلك الحكاية التي أنبتت قصائدا بطعم وصفات الصداقة والحب والملح والسمك،
وأغاني فيروز ومرسيل و موسيقى الغيوان والسهام زمن الأغنية المغربية الحقيقة بداية الرسم
بالكلمات بالألحان وألوان النغمات، العربي باطما و بوجمعة وباكو وعمر السيد ،أصوات تغنت من أجل
فقراء قهرتهم الحياة، أتذكر تلك الأصوات كما لازلتُ محافظا على أغانيهم بهاتفي. واشتقت للأصدقاء
الذين تقاسمنا معهم ذكريات لا تنسى منهم من رحل كاشفا عرائنا في مواجهة الموت والذكرى
وهزيمة تطل بحنينها ، خسرنا و كلما زاد العمر بنا تزداد الخسارة.
عمو تخونني الكلمات كلما حاولت الكتابة لك لكنني اليوم كتبت، كتبت بدافع الحنين لك وللقرية
وللزمردة الأولى التي لا زلت أحتفظ بصور لها، وبدافع الكتابة..
لهذا يا عمو أفيلال
اكتبْ فالكتابة نهر لا ينقطع ماؤه، اكتب للحياة للقرية التي تتمشى بداخلنا، أكتب لتلوين ما تبقى من
الرماد من العمر، لا مفر لنا من الكتابة لا مفر من العذاب..
اكتبْ للعزاء الذي يحضر بداخلنا ولا نحضر نحن موته بكائه..
اكتب لعلنا نلمس النسيان ونصيبه بهزيمة.
اكتب فالكتابة قادرة على صنع طفولة أخرى
طفولة بأخطاء وقبلات حياة مالحة نسرق منها التوت ورائحة قهوة أنيقة ومفاجآت البحر والغابة ونتسلل
بأنقة للصباح، وصباح الطفولة حلم يتكرر كلما كتبنا حلمنا وحملنا أمنياتنا بحب وغرام موسيقى
العصافير التي تسكننا ونحفظها كأشعار درويش و سورة الفاتحة.
اكتب لنحلم مرة أخرى، مرتين ثلاث و نعود للزمردة أطفالا نغني وملح بحرنا على شفاهنا نشيد ونغني
ورمل بحرنا على أكتافنا إيقاع. فاكتب لي فإن صوت البحر يعلو ويعلو..
أكتب فالسؤال عذابي والجواب أين الجواب !؟
عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 11331

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.