منصة المشاهير العرب مرخصة من الهيئة العامة للاعلام المرئي والمسموع السعودي , ترخيص 147624
فنون وثقافة المشاهير

نزف القوافي بين الانتماء والقيم الإنسانية

14/ سبتمبر /2021
avatar admin
182
0

ديوان (نزف القوافي) بين الانتماء والقيم الإنسانية

 

كتب إبراهيم موسى النحَّاس:

يرى “بيير زيما” في كتابه (النقد الاجتماعي) أنَّ (الحياة الاجتماعية تدخل في علاقة مع الأدب قبل كل شيء عبر تمظهرها الجمالي)، إذ أنَّ المبدع لا يمكن مهما بلغت ذاتية إبداعه الفكاك من البُعد الاجتماعي المحيط به والذي يتبادل معه التأثير والتأثُّر، ليخرج منتجه الأدبي صدًى لهذا الواقع المجتمعي لكن بصياغة جمالية.

والشاعر حامد الحمراني في ديوانه (نزف القوافي) يُقدِّم لنا رؤية تقوم على الجمع بين الانتماء الممزوج بالقيم الإنسانية والدينية، نلمس هذا الانتماء بدءًا من عتبة الإهداء، حيث أهدى الديوان إلى روح الوالد – رحمه الله- وإلى الأم وإلى الزوجة، ثم إلى كل إنسان كان له فضل في مسيرة الشاعر الأدبية، مرورًا بالانتماء الأكبر، وهو الاتماء إلى الوطن: المملكة الحبيبة، فيقول في قصيدة (بلاد العِزِّ): ((يا بلاد العز يا دار الفخرْ/ يا السعودية يا أغلى الدّيرْ/ لك محبَّتنا على طول الدهرْ، يحفظك رَبِّي إله العالمينْ))، ثم يمزج هذا الانتماء بالفخر حين يقول في نفس القصيدة: ((الملك سلمان قايدنا الهمامْ / حامي الأوطان وقت الاحتدامْ / شامخٍ في حرب والَّا في سلامْ / بالعزم والحزم والرأي الرزينْ))، إلى أن يختم القصيدة بالحديث عن الرؤية المستقبلية فيقول: ((ومحمد حزامه وليٍ للعهدْ/ كل شعبه من طموحه يستمدْ/ رؤيته ما مثلها رؤية أبَدْ/ أسَّس لأهداف عشرات السنينْ)).

ويعرض لنا الديوان أيضًا صورة الشاعر الحكيم المُجرِّب بأمور الحياة، لنلمس البُعد والعمق الفلسفي وانتشار أبيات الحكمة في العديد من القصائد، كقوله في قصيدة (يا حيرة السهران): ((يا صاحبي ما كل بابٍ ينطرق/ ولا كل طيرٍ نعتبره من الصقور/ أحدٍ يعوم البحر واحدٍ به غرق/ ولا كل بندق وقت حاجتها تثور/ بعض السحاب يهل غيثه لا برق/ وبعضه بروق ورعد ويمرّك مرور/ الصاحب اللِّي لجل همك ما احترق/ ولا غدا دَمُّه على حزنك يفور/ اللِّي لميثاق الصداقه قد خرق/ ما يدري ان الوقت والدنيا تدور/ اشطب على اسمه من سجلات الورق/ ولا تعتبره إلَّا من اصحاب القبور)).

وعلى مدار الديوان نجد صورة الشاعر المحب للحياة والجمال، لكن يعتريه الحزن والشعور بالاغتراب، اغتراب نابع من اغتراب القلم والقصيدة، نلمح هذا في قصيدة (يا عازف الناي) حين يقول: ((يا عازف الناي وَفِّرْ زفرة انفاسك / ما عاد يطرب حنين الناي مسمعهم / ويا هاجس الشعر يا اللِّي مرهف احساسك / حتى قوافيك صارت ما توافقهم / كم ترجمة ريشة اقلامي بكراسك / مشاعر البوح للِّي ما تشابههم)).

كما لم يغفل الشاعر قضايا الواقع، فتناول أزمة عالمية صارت محل اهتمام كل شعوب العالم، هي أزمة كورونا، فيقول في قصيدة (الوضع السليم) ناصحًا الشعب من باب المسؤولية الاجتماعية للمبدع: ((ما عاد شبة ضو فِ اللِّيل العتيم / ولاعاد به سجة مع فجوج الخلا/ كُلٌّ فِ بيته لازم الوضع السليم / وصدره من الأخبار بالحزن امتلا / وصل الحذر للذعر والله العظيم / من جائحه مستشريه بين الملا/ يا الله تعدِّيها بلطفك يا كريم / ويالله ترفع عن عبادك ها البلا)).

وإذا انتقلنا من الرؤية لبعض جوانب التشكيل الفني في ديوان (نزف القوافي) نجد اللغة القائمة على جمال الصورة الشعرية، مِمَّا يُبعد القصيدة عن التقريرية والمباشرة في التناول، ويؤكد سعة خيال الشاعر وقدرته على التعامل مع اللغة بشكل فني بدءًا من العنوان الذي يحمل في داخله (استعارة) توحي بالمعاناة مرورًا بقصائد الديوان، ويكفيني هنا قصيدة (جروح الحُب) كشاهد على تلك اللغة المجازية الثرية فنيًّا حين يقول: ((يا الله يا قلبي نلوح بالوداع / الفراق أحيان بلسم للجروحْ / سارت الاحلام في سِكَّة ضياع / ومن جروح الحُب شيَّدنا صروحْ / الجزاء غدرٌ وحرقه والتياع / والهدايا طعن وآهاتٌ ونُوح / كيف نبحر والهوى ضدّ الشراع

والمراكب عكس وجهتنا تروح)). ثراء فني يؤكد أنَّ القصيدة الشعبية لا تقل عن قصيدة الفصحى في معجمها الشعري وجمالها الفني، ولعل مجيء الشاعر ببعض قصائد الفصحى في ختام الديوان بمثابة إشارة رمزية ضمنية لتمكنه من كتابة القصيدة العربية بتنوُّع مستوياتها.

من السمات الأسلوبية التي استخدمها الشاعر توظيف السؤال الذي يعكس الدهشة وقلق الذات الشاعرة ويثير ذهن القارئ، كما وظف دالة التكرار للسؤال للتأكيد على تلك الرؤية وهذه الدهشة وذلك القلق، نلمح هذا في قصيدة (صمتك) حين يقول: ((ليه صمتك يحبس حروف الكلام؟/ ليه تمنعني امتَّع مسمعي؟/ اللقاء ليته بدأ منك بسلام/ وانتهى وانت تقول ابقى معي/ ليه المطر لا صار في وقت المساء؟/ كِنُّه يوصل بين الاحباب السلام / وليه المطر للعاشق اللِّي قد نسا؟ / يهيم لا ضم الثرى رش الغمام)).

لم يغفل الديوان الجانب الذاتي للشاعر، فبالإضافة إلى القصائد الغزلية على مستوى المعنى يُطِل علينا عِلم الرياضيات في ملمح فني هام، وهو اليقين المعرفي، والمقدمات التي تؤدي إلى نتائج، وإذا علمنا أنَّ شاعرنا مُعلِّم للرياضيات اكتشفنا السِرَّ وراء هذا التكثيف الدلالي في رباعياته من ناحية، وذلك اليقين المعرفي والمقدمات التي تصل بنا لنتائج، وكأنَّ الحياة مسألة حسابية عقلية من ناحية أخرى، لكنَّها هُنا تمَّت صياغتها بشكل فني جميل، فيقول في إحدى رباعياته: ((يا صاحبي لا تنبش الجرح القديم / اللِّي وراء الباب العتيق المسكّر/ ابا اتقهوى واترك الهَمّ والضيم / يكفي مرارة !! قهوتي دون سُكَّر)) فالمنطق – المأخوذ من الحياة والرياضيات يقول (يكفي أن أشرب قهوتي مُرَّة بدون سُكَّر، فلا تضيف يا صاحبي لحياتي مرارات جديدة). والمنطق يقول للحبيب إنَّ أهم شيء هو أن أتواجد في حياتك بغضِّ النظر عن الصفة أو الكيفية أو الطريقة: ((اعتبرني في حياتك بيت شعر وأعجبك/ أو أغاني في الشتاء على شموع العاشقين/ شوف لي حيز فِ قلبك أو مكان يناسبك/ المهم أكون معك أعيش لحظات الحنين)).

من القراءة السابقة يمكن أن أقول إنَّ ديوان (نزف القوافي) للشاعر حامد الحمراني تقوم رؤيته على الجمع بين الأبعاد الذاتية، مع الاحتفاء بالانتماء والقيم اإنسانية، ومتابعة قضايا الواقع، في إحساس يجمع بين شجن المُحِب للحياة والجمال مع الإحساس بالاغتراب والحزن، جاء كل هذا في قصيدة قامت على الثراء الفني من خلال توظيف المجاز والصور الشعرية، مع توظيف السؤال الذي يعكس قلق الذات، إضافة إلى التكثيف الدلالي الذي يعكس تمكنه من التعامل الجيِّد مع اللغة.

عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 11331

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.