منصة المشاهير العرب مرخصة من الهيئة العامة للاعلام المرئي والمسموع السعودي , ترخيص 147624
مقالات وآراء

درء الحدود بالشبهات

10/ يونيو /2021
avatar admin
235
0

 

بقلم : الدكتور محمد العقلاء الخبير القانونى

وأصل هذه القاعدة ما ورد في السنة من قوله : {ادرؤوا الحدود بالشبهات}.

وهذا الحديث وإن كان موقوفاً، فله حكم المرفوع ولأن الحدّ عقوبة كاملة،

فتستدعي جناية كاملة ووجود الشبهة ينفي تكامل الجناية.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله e: {ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً}.

وعن عائشة قالت: قال رسول الله : {ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً، فخلوا سبيله}.

فالحدّ، عقوبة من العقوبات التي توقع ضرراً في جسد الجاني وسمعته، ولا يحل استباحة أحد، أو إيلامه إلا بالحق،

ولا يثبت هذا الحق إلاّ بالدليل الذي لا يتطرق إليه ارتياب، فإذا تطرق إليه الشكّ كان ذلك مانعاً من اليقين الذي تُبنى عليه الأحكام،

ومن أجل هذا كانت التهم والشكوك لا عبرة لها ولا اعتداد بها لأنها مظنة الخطأ.

قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحدود تدرأ بالشبهات،

فلو زنى بجارية له فيها شرك، وإن قلّ، أو لولده، لم يُحدّ، لقولـه عليــه السـلام: {أنت ومالك لأبيك}،

وكذلك لو وطئ في نكاحٍ مختلف فيه أو مكره، أو سرق من مالٍ له فيه حق، أو لولده،

وإن سفـل من مـال غريمه الذي يعجز عن تخليصه منه، بقدر حقه لم يُحدّ».

وقد عرّف الفقهاء الشبهة بقولهــم: هي ما يشبه الثابت وليس بثابت، أو هي وجود المبيح صورة مع انعدام حكمه أو حقيقته.

وتطبيقاً لقاعدة درء الحدود بالشبهات، روي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنه قال: “لئن أعطل الحدود في الشبهات خير من أن أقيمها في الشبهات”،

وروى سعيد قال: “حدثنا هاشم أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب ليس لها زوج وقد حملت. فسألها عمر،

فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس وقع عليّ رجل وأنا نائمة، فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد‍‍ّ”.

وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا: “إذا كان في الحدّ لعل وعسى فهو معطل”

وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعقبة بن عامر أنهم قالـوا: “إذا اشتبه عليك الحدّ فادرأ ما استطعت”

وبهذا استدل الجمهور من الحنابلة والشافعية والحنفية على أنّ المرأة إذا ظهر بها حمل ولا زوج لها لم يلزمها بذلك الحدّ.

فدرء الحدود بالشبهات مما يؤكد أن الأصل هو براءة المتهم وأن إدانته تحتاج إلى إثبات قوي لأنها خلاف الأصل، ولذلك تنهار التهمة لأدنى شبهة،

ولذلك قرر الأصوليون قاعدة “البراءة الأصلية” إعمالاً لاستصحاب الحال،

فالأصل بقاء ما كان حتى يثبت ما يغيره والأصل ما يغيره والأصل في الإنسان البراءة ومهما قيل في تأصيل “الاستصحاب”

وما إذا كان مصدراً شرعياً أو مجرد حجة وأنه حجة دفع لا حجة إثبات كما قرر الأحناف

لأنه حجة بقاء ما كان على ما كان ودفع ما يخالفه حتى يقوم دليل على المخالفة وأن الحجة في الحقيقة هي ما ثبت بها الحكم السابق

لأن الاستصحاب هو استبقاء دلالة هذه الحجة على الحكم المستند إليها،

فإن البراءة الأصلية تبقى قاعدة لها أهميتها سواء استندت إلى مصدر شرعي أو كانت مجرد حجة

وسواء أكانت الحجة حجة إثبات أو لمجرد الدفع.

هذا وإن درء الحدود بالشبهات قد يأتي نتيجة تحقيق القاضي لظروف المتهم الفردية،

أو يأتي نتيجة تحققه من وجود ظروف اضطرارية طارئة عامة، ذلك أن من الأصول الشرعية أن الضرورات تبيح المحظـورات،

وقد قال تعالى فى الاية 119 من  سورة الأنعام : (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)

وفى الاية 173 من سورة البقرة قال تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)

ويقول الله تعالى فى سورة المائدة : (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

وقاعدة الشريعة في كل أحكامها أنها تتبع الوسع والاستطاعة

على أن يكون تقدير ذلك بإخلاص وأمانة ومراقبة لله الذي لا تخفى عليه خافية،

 وفى سورة البقرة  قال تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) .

عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 11331

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.