بقلم : سيد فاروق
توطئة:
ﻟﻘﺩ ﺍﺭﺘﺒﻁ ﺍﻷﺩﺏ ﺒﺸﻜل ﻋﺎﻡ والشعر بشكل خاص ﺒﺎﻟﻭﺍﻗﻊ ﺍﻟمعاصر وما طرأ عليه من مستجدات أثرت بطبيعتها على الواقع ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻲ لأمة من الأمم أو للإنسانية أجمع على اختلاف الموطن؛
وقد ﻜﺎﻥ الأدب المُشكل في أجناسه الأدبية ﻓﻲ ﻜﺜﻴﺭ ﻤﻥ ﻤﺭﺍﺤﻠـﻪ ﻴﻭﺍﻜﺏ هذه ﺍﻟﺘﻐﻴﺭﺍﺕ ويرصدها بل ﻭﻴﺴﺎﻴﺭﻫﺎ ويبين ﺁﺜﺎﺭﻫﺎ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺤﺘﻰ ﺒﺎﺕ ﻤﻥ ﺍﻟﻤﺅﻜﺩ ﺃﻥ ﻨﻘﺭﺃ ﺒﻌـﻀًﺎ ﻤﻥ ﻭﺍﻗﻊ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ، ﻭﺃﻭﻀﺎﻋﻬﺎ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﻴﺔ ﻭﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﻔﻜﺭﻴﺔ ﻤﻥ ﺨﻼل ﻗﺭﺍﺀﺘﻨـﺎ ﻟلمنجزات الأدبية ﻭﺍﻟﺸﻌﺭﻴﺔ ﻓﻲ حقبة ﻤﺎ .
وبالفعل ﺘﺄﺜﺭ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ العربي والمصري بشكل خاص بهذه المتغيرات حتى ﺍﻨﻌﻜﺱ ﺫﻟﻙ التأثر ﺒﺼﻭﺭﺓ ﻭﺍﻀﺤﺔ ﻋﻠـﻰ ﺍﻟﺠﻭﺍﻨﺏ ﺍﻷﺩﺒﻴﺔ وعلى الشعراء والأدباء في هذه المجتمعات ﻓﻜﺎﻥ ﺍﻟﺸﻌﺭ ﻤﻤﺎ ﺘﺄﺜﺭ ﻜﺜﻴﺭ ﺒﻬﺫﻩ ﺍﻟﻤستجدات الطارئة، نيجة لانفعال الذات الشاعرة بالأحداث المعاصرة، ﻭﺃﺼﺒﺢ ضمن سمات الخطاب الشعري عند بعض الشعراء أنه ﻤﺭﺁﺓ ﺤﻘﻴﻘﻴـﺔ ﻟﻸﻭﻀـﺎﻉ ﺍﻻﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺔ؛
ومن هذا المنطلق نلج إلى القراءة النقدية لقصيدة ” عام مضى ” للشاعر محمد ناجي؛
والتي ستكون على ثلاث محاور رئيسية بخلاف خطاب العنوان والذي اتسم بالتقريرية والمباشرة إلى حدٍّ كبير، وعلى ذلك فإننا سنتناول القراءة النقدية لقصيدة ناجي من خلال العناصر التالية:
– خطاب العنوان
– دور الشعر في رصد الحدث
– اللجوء إلى الله
– البشارة والاستشراف
خطاب العنوان:
ترجع أهمية العنوان بوصفه المدخل أو العتبة التي يجري التفاوض عليها لكشف مخبوءات النص الذي يتقدمه ذلك العنوان (1 ).
وقد أصبح العنوان نتيجة لذلك بمثابة البوابة الأولى التي تضيء لنا الطريق في سبيل الدخول إلى عالم النص والتعرف على زواياه الغامضة، فهو مفتاح تقني يُجَس به نبض النص وتجاعيده، وترسباته، وتضاريسه التركيبية على كافة المستويات ( 2).
وإذا يمارس العنوان فعله السابق في إضاءة النص والكشف عن روحه كعتبة أولية ومفتاحًا ناجحًا في فهم أولي للنصوص التي يتبوأ عليها، فهو من جانب آخر يمارس فعل الإغواء والتعيين والوصف (3 ).
وبناءً على ما سبق
يقوم العنوان بدور أساسي في ولوج القارئ إلى عالم الكتاب وتوغله التدريجي فيه، لأنه يحدد ملامح هوية النص، ويضيء إشارات دلالية أولية، تجعل القارئ يستبق معرفة النص الغائب( 4)، من خلال خطاب العنوان باعتباره أحد أهم المواقع الاستراتيجية المهمة.
وقد أطلق الشاعر محمد ناجي عنوانًا لقصيدته “عام مضى” ليستحضر المتقي في أفق التوقع ما وقع في العام الماضي من أحداث فيتأهب نفسيًا لقراءة القصيدة وما ترويه من أحداث ووقائع حدثت بالفعل في العام الماضي.
أن الحدث الجم جعل الشاعر محمد ناجي يتكلم وفق المتعارف عليه لغويًّا في المجتمع، وهذا من خلال اختياره لعنوان مباشر فيما يسميه بارت “عبودية الدلائل” ومن هنا يعود إلى مفهومه الواسع للحرية، ليشمل الانفلات من قهر اللغة وسلطويتها، وعدم الخضوع لمنطقها الدلالي، فجاء العنوان واضحًا تقريريًّا مباشرًا مناسبًا لموضوع القصيدة.
لقد عمد الشاعر محمد ناجي في خطاب العنوان -عام مضى- إلى رسم اللغة في خانة القول الجازم، بكل ما فيه من سلطة تقريرية مباشرة تنطق بالحقائق والمؤكدات، وتخرج عن الانزياح المعتم فقد ارتأى ناجي أن مثل هذه الموضوعات لا بدَّ أن تكون واضحة مذ بدايتها فجاء العنوان واصفًا لتيمة القصيدة وفكرتها العامة في صورة مباشرة تضيء للمتلقي ما يحمله النص الشعري من مضمون.
دور الشعر في رصد الحدث

كان الشعر العربي ولايزال عينًا على الواقع العربي الراهن، الذي يشهد حراكًا غير مسبوق على جميع الأصعدة، ويحيا حالة من التردد القيمي والرمزي بين منظومات ثقافية مختلفة، فكما هو معروف، ظل الشعر على امتداد الأزمنة والأمكنة واختلاف المجتمعات وتعددها، حاجة إنسانية أساسية لا يمكن إنكارها أو التهوين من شأنها، فهو فن لا يمتاز بالعراقة والريادة والفرادة فحسب، بل إنه يُشَكل مصدر معارف ومستودع قيم، وهو ما بوأه مكانة الذاكرة في ثقافتنا العربية، ولذا حق للشعر أن يكون رأس الفنون الأدبية عند العرب.
لقد باشرت الإنسانية زمن الرواية بديلًا عن الشعر وبدأت تتعالى أسهمها منذ سنوات، حتى أعلنت بعض الأصوات خطأً خبر نعي الشعر.
لكنني أعتقد في مقابل هذه الأصوات أن التاريخ الفني الثقافي أثبت أن الشعر لم يكن في أي زمن ترفًا بقدر ما هو ضرورة، فكل شيء يستمد قيمته من وظيفته، وهو ما ذهب إليه الشاعر محمد ناجي في قصيدته -عام مضى- حيث أثبت الدور الحقيقي للشعر في رصد الحدث المعاصر للجائحة التي ضربت العالم أجمع فراح يرنم أوجاعه على نغم البحر البسيط فقال:
عامٌ مَضَىٰ تارِكًا أوجاعَهُ فينا
هَوْلٌ وفَقْدٌ علىٰ الماضينَ يُضنينا
في كلِّ بيتٍ لهذا الموتِ رائحةٌ
وَحشٌ بِلا رحمةٍ قد راحَ يُدمينا
كأنَّهُ كانَ مَحبوسًا لِأزمِنةٍ
لهُ سُعارٌ تَشَهَّىٰ عَبَّ دُمِّينا
وصف الشاعر العام الماضي بما خلَّفه من آلام وهول وفقد أحث الضنى للإنسانية حتى أن رائحة الموت فاحت في كل بيتٍ وعمَّت الأجواء، فكان الوباء عند ناجي “وَحشٌ بِلا رحمةٍ قد راحَ يُدمينا” وهنا يشخصن الشاعر الجائحة ويمعن في الوصف حتى يصنع آليات جديدة ووظائف آخرى للكلمات تنزاح عن معناها المعجمي إلى خيالاتٍ متعددة الدلالات، على عكس ما ذهب إليه ناجي في خطاب العنوان، فتارة يصوره لنا بالوحش الذي لا يرحم وآخرى بالإنسان المحبوس مذ زمنٍ وقد فكت الأزمنة أسره ليأتي إلينا ويسقينا الهلاك.
هذه الوظائف المستحدثة للأشياء المادية والحسية بما فيهم الأوبئة والزمان والمكان والتي من شأنها أن ترفع من القيمة المضافة للخطاب الإبداعي تُعد آليات فنية حديثة للأدب عمومًا وللقصيدة العربية على وجه الخصوص إذ لم يصبح “الحاضر استكمالًا لماضٍ رتيب في خط تعاقبي يرافق التواترات والتسبيب السردي.” ( 5)
لقد صنع ناجي تطورًا ملحوظًا للوظائف والإحداثيات الزمكانية، واستخدم هذه الإحداثيات بتواترها لخدمة السياق الشعري في أنساق درامية تجسد حالة الوجد للذات الشاعرة وتفاعها مع الحدث في مشاهد مختلفة تتتابع وتتداخل في نسق جمالي يخدم البنية المعمارية للقصيدة المعاصر( 6).
ثم يسترسل ناجي في تصعيد الوصف الدرامي لأحداث العام الماضي والذي شهد الوباء القائل فيقول:
يَمضي ولا يَرعَوِي مِنْ نَوْحِنا أبدًا
وليسَ يَرضَىٰ بغَيْرِ الحُزنِ يَسقينا
يَطوي فيَطحَنُنا طَحنًا يُرَوِّعُنا
والسُّؤْلُ هاجِسُنا: مِن أينَ يأتينا؟؟
هذا الوحش على حدِّ وصف الشاعر محمد ناجي للوباء يمضي غير عابئ بالنواح فلا يكف عن الأذى أبدًا ولا يكترث لحزننا وأوجاعنا، فهو لا يرضيه إلَّا شراب الحزن لنا فبأس الشراب ؛
فيتسبب في حالة من الرعب والهلع والترويع وهواجس النفس في تساؤلات دائمة لا تكف عن الصراع الداخي داخل النفس البشرية، ولا تزال هذه التساؤلات تقرع الآذان ” مِن أينَ يأتينا؟؟”
لقد أدرك الشاعر محمد ناجي ما وصل إليه بارت مبكرًا من انغلاق اللغة وسلطوية نظامها الدلالي، وظل بارت على هذه القناعة منذ نهجه البنيوي حتى وصوله لما بعد البنيوية، إلى ما بعدها حتى وصلنا إلى النهج المعاصر وكان هذا دافعًا لنا للنظر إلى جوانب أخرى ناقلة للدلالة، تتبدى في سائر العلامات المنتجة من الإنسان في الخطابات الأدبية.
وإذا كان بارت قد عاد إلى الإقرار والتسليم بأنه لا مناص من اللغة، فإنه يقدم رؤية تقدمية للأدب، محورها أن الأدب هو: الخدش الذي تخلفه آثار ممارسةٍ هي ممارسة الكتابة.
أما النص فهو: نسيج العلامات والدلائل التي تشكل العمل الأدبي، ومادام النص هو ما تثمره اللغة، وما دامت اللغة ينبغي أن تحارب داخل النص، بفعل الدور الذي تقوم به الكلمات، من أجل خلخلة اللغة، وتقديم علامات ودلالات جديدة (7 )؛
وهذا بالطبع ما فعله الشاعر محمد ناجي في قصيدته -عام مضى- مما يعني أن دور الأديب لغويًّا ونصيًّا – بجانب أدواره الأخرى – التحرر من هيمنة الدلالات السلطوية الشائعة، ومن ثم تحطيمها وتقديم دلالات جديدة، تحرر اللغة من سيطرة سابقة مفروضة عليها، وتنتج نظامًا دلاليًّا جديدًا، قوامه الحرية، التي مارسها المبدع من خلال لغته وفكره، وأشرك قارئه في هذه الممارسة عندما منحه جديدًا في منظومته اللغوية ليتحرر من المتوارث والمتعارف عليه من معنى، ويعطى للقاريء مساحة أكبر من التأويل ليكون بذلك مساهمًا أساسيًّا في انتاج النص الإبداعي.
اللجوء إلى الله
ظهر الجانب الديني في شعر محمد ناجي في الثلث الأخير من هذه القصيدة، إذ كتب أبياتًا مفردةً يؤكِّد فيها على أهميَّة الرجاء واللجوء إلى الله تعالى، ورسم في ذلك صورًا فنيَّة رائعة، والتي تجلَّت بصورة واضحة ومبهرة في هذه الأبيات حيث يقول:
والعَجْزُ دَيْدَنُنا لا حَوْلَ كانَ لنا
مَنْ دُونَكَ اللهَ عندَ الكَربِ يَكفينا؟؟
يا أرحَمَ الراحمينَ امْنُنْ بمَرحَمَةٍ
فهَلْ تُؤاخِذُنا مِنْ كَسْبِ أيدينا؟؟
لم تكن هذه الأبيات مقتصرةً فقط على الجانب الدينيِّ وإنمَّا شملت الجانب الأجتماعي، فقد انقطعت أسباب الأرض وعجز الإنسان عن التصدي لهذه الجائحة فلم تبق أمام الشاعر سوى أسباب السماء ليتعلق بها فلا حول لنا ولا قوة ولا طاقة لنا بمجابهة تلك الجائحة فَتُرى” مَنْ دُونَكَ اللهَ عندَ الكَربِ يَكفينا؟؟” والجواب لا أحد ولذا جاء الثناءُ رجاءً بعدها طالبًا للرحمة من الله تعالى ” يا أرحَمَ الراحمينَ امْنُنْ بمَرحَمَةٍ ” وأنْ لا يؤاخذنا الله بما فعلت أيدينا، فكانت الأبيات تفيض بالحكمة والموعظة الحسنة في أبهى صورها.
إن الشاعر هنا يقر حقيقة مهمة لا مناص منها وهي أنَّ الإنسان السوي حال البلاء وانقطاع الأسباب يلجأ إلى الله تعالى طالبًا رحمته كما قال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل ” قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله….” ( 8).
كما يعرف الرجاء أبو حامد الغزالي فيقول: ” الرجاء يضاده اليأس واليأس يمنع من التعهد فمن عرف أنَّ الأرض سبحة والماء معوز وأنَّ البذر لا ينبت فيترك لا محالة تفقد الأرض والتعب في تعهدها، والرجاء محمود لأنه باعث واليأس مذموم وهو ضده لأنه صارف عن العمل”(9 ).
كما يعد شعر التوسل والذي يسمى أيضا الرجاء أحد أهم الأغراض التي تميز بها الشعر الصوفي ويقصد بالرجاء ارتياح القلب لانتظاره ما هو محبوب عنده، إن شئت قلت الطمع في ما عند الله بشرط العمل في سبيل الوصول إليه، ولذا كان الرجاء ما قارنه عمل وإلا كان أمنية ( 10).
ولذا جاء شعر ناجي في آخر قصيدته توسلًا إلى الله سبحانه وتعالى لنيل المغفرة وابتغاء مرضاته حيث يعترف الشاعر بقدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته كما يطلب الرأفة في الحياة الدنيا ، وذلك بأن لا يؤاخذنا الله بما كسبت أيدينا وأن ينعم علينا بكشف الكرب وهو بذلك يُوَكل إليه أمرنا فسبحانه الوكيل والكفيل بنا ليخفف عنَّا أثقالنا وهذه ميزة التوسل التي اتضحت بصورة ملفته في ابيات محمد ناجي السابقة.
وعلى ذلك يصبح الرجاء هو ملجأ الإنسان لمَّا تكثر ذنوبه وتستعصي عليه أمور الدنيا وتتقطع به أسباب الأرض، فلم يبق أمامه سوى أسباب رب الأسباب حين ذلك توسل الشاعر محمد ناجي إلى الله تعالى طامعًا في رحمته راجيًا شفاعته وكشف ما بنا من بلاء.
بشارة واستشراف
لمحة تفاؤل تحمل البشارة، وثمة حدود للأمل في نهاية القصيدة يستشرف فيها الشاعر واقعًا آخر هو ما يتمناه الشاعر أنْ يكون أي أنه واقع مأمول يستقر في ذات الشاعر وفي مخيلته، حيث يعد استشراف المستقبل ظاهرة من الظواهر التي ظهرت في الأدب، وبشكل خاص في الشعر المعاصر،
ويقصد بالاستشراف مخالفة الشاعر سير الزمن؛ لتوقع أحداثًا مستقبلية قبل وقوعها؛ وقد كانت نهاية قصيدة عام مضى للشاعر محمد ناجي من الأبيات التي استشرفت المستقبل، وهو بذلك يواكب سير العملية الإبداعية المعاصرة حيث أضحى الاستشراف سمةً مميزة في شعرنا العربي الحديث، وفي هذا الإطار يقول :
عِشرينَ فانتَزِحي عنَّا ولا أَسَفًا
لا عُدتِ ثانيةً في الدَّهرِ عِشرينا
غدًا تعودُ إلىٰ الأيامِ بَهجَتُها
وتُشرِقُ الأرضُ بِشْرًا بعدَ كُورونا
يا ربِّ فَرِّجْ بفَضْلٍ منكَ جائحةً
(ويَرحَمُ اللهُ عبدًا قالَ آمينا)
وهذه الابيات ذات استشرف حقيقي تحيلنا إلى القول إنّ الذات الشاعرة الواعية تستطيع أن تعطي رؤية بعيدة للحدس ( 11) الغائب وهذا يؤكد إن الشعر في الحدس المعاصر هو الذي يخلق الوجود، فالكون حامل الماضي والحاضر، وأما المستقبل الذي وجدناه في الخطاب الديني يمكن إيجاده في الشعر العربي إذا أحسن الشاعر توظيف اللغة في خدمة النص والتيمة الأساسية له للتعبير عن روآه وتطلعاته.
يتمنى الشاعر في استشرافه أنَّ تنزاح الغمة بانتهاء السنه “عِشرينَ فانتَزِحي عنَّا ولا أَسَفًا” ثم يطلب منها إنْ لا تعود في الدهر مرة أخرى لتشرق الأرض بالبشرى بعد الجائحة التي لا مناص من النجاة منها إلا بفضلٍ من الله تعالى وهذا الاستشراف لا يكون إلَّا بالدعاء إلى الله تعالى أن يكشف الكرب،
وهنا يقف الشاعر إمامًا على أبواب السماء يبتهل إلى الله تعالى كأنه يُأذن لصلاة التوبة بالدعاء ويرحم الله كل من يقف خلفه ويقول آمين، فكأنَّما أوحي إليه الشعر وقلوبنا من خلفه تقول آمين فاللهم آمين آمين.
لقد عمد الشاعر محمد ناجي إلى استراتيجية جديدة يبثها لنا من خلال هذا النص هي استراتيجية الاستشراف التي تجند فيها جميع الضمائر الواعية في المجتمع للتمكن من الوصول إلى مستوى حضاري نوعي، وإلى المشاركة الفعلية للشاعر في صياغة حياته، وإدراكه لوظيفته بالاهتمام ببيئته ومحيطه الاجتماعي، وإسهامه في تقويم ذاته، والتأثير إيجابًا علي تطوير وإصلاح مجتمعه، بشكل يجعل من تقلبات ذلك المجتمع ومخاضه وما يتعرض له من نكبات ظاهرة طبيعية توظف لصالح تطوير المجتمع، وليست هوسًا يشل فاعلياته ويحد من طاقاته.
وفي تقديرنا أنَّ هذه الاستراتيجية تُمَكن من التطوير الثقافي الذي يسمح بالانتقال من مجتمع ذي أغلبية صامتة إلى مجتمع ذي أغلبية فاعلة، مقدمة على التصريح بما تعانيه، ومناقشة ما تعيشه من مشاكل، ومشاركة في صياغة برامج الإصلاح، استراتيجية تسمح بالانتقال من مجتمع سلطة جزافية إلى مجتمع سلطة واعية تجعل للخطاب الأدبي دورًا فاعلًا في رصد الحدث وعرض المشاكل الأسباب والعلاج، ليستشرف بعد ذلك المستقبل من خلال روآه وما يتمنى أن تكون عليه الحياة وهو الواقع المأمول الذي أخذنا إليه الشاعر في نهاية قصيدته.
ونخلص إلى ما يلي:
– لقد عمد الشاعر محمد ناجي في خطاب العنوان -عام مضى- إلى رسم اللغة في خانة القول الجازم، بكل ما فيه من سلطة تقريرية مباشرة تنطق بالحقائق والمؤكدات، وتخرج عن الانزياح المعتم فقد ارتأى ناجي أنَّ مثل هذه الموضوعات لا بدَّ أنْ تكون واضحة مذ بدايتها فجاء العنوان واصفًا لتيمة القصيدة وفكرتها العامة في صورة مباشرة تضيء للمتلقي ما يحمله النص الشعري من مضمون.
– لقد انتقى ناجي ألفاظه الشعرية الموحية ومجازاته، التي تعقد الصلة بين الأشياء في حذر ودقة، وهو بذلك يدرك أنهما وسيلتان للإبانة عن جوهر المعاني، لا لضرب نطاق من الضباب الحالك القاتم فان ذلك قد ينتهي به إلى خلل في أبانته عن الأسرار والخفايا التي لا نهاية لها في النفس والطبيعة والتي تكمن فيها منتظرة الشاعر البارع ليكشف عنها الستار بكلماته، وهو حقًا يستعين على هذا الكشف بألفاظه الموجزة ومجازاته، ولكن بشرط أن لا يتحول إلى شاعر لفظي يصنع عقودًا متلألئةً من الألفاظ أو شاعر رمزي مبهم، يقفز بنا في سحب المجازات والاستعارات من مجهول إلى مجهول حتى لا نكاد نفهم شيئا (12 )، وقد نجح الشاعر في اتخاذ طريقًا وسطًا بين الخيال والواقعية فجاء الخطاب الشعري مدمج بالمستوى الجمالي معبر عن الواقع وما آلت إليه الأمور .
– لم يكن ناجي باحثًا عن المجهول، بقدر ما كان مراعيًا للصقل، والترتيب، والصنعة، والمحافظة على النظام، والميل إلى تصوير الكليات العامة، التي يشترك في فهمها الناس جميعًا ( 13).
إن هذا الأسلوب المتميز الذي ظهر به ناجي في قصيدته، يجعلنا نفتش في خباياه وكوامنه الداخلية وتقليب بناه الفنية، ومدى كفاءتها في تحقيق التواصل بينها وبين المتلقي، وبالتالي مدى قدرتها على تحقيق وظيفتها الفكرية والجمالية، والاجتماعية في آنٍ جميعًا.
– في تقديرنا أنَّ الشعر عند محمد ناجي كان سلاحًا من الخيال الذي يجعلنا نعيد النظر في ترتيب مفردات العالم بما يتناسب ويتناغم مع جوهرنا، هو سلاح قادر على نحت الجمال حتى في أحلك المواقف التى تتصاعد فيها أصوات الوجد ألمًا، هذا المستوى الجمالي من الإبداع يعمل على مقاومة القبح وتغذية الروح بكل ما تحتاجه من رؤى ومشاعر خلّاقة تحنو على النقس والروح حال المصائب.
– احتفى الشاعر بالاستشراف فجاءت أخر أبيات القصبدة تحمل البشارة فقد كان الحاضر عند ناجي إذن هو مشكاة القادم علي مستوي التخييل الفني في نصه الإبداعي، على أنَّ معرفة الحاضر معرفة تامة تعني معرفة المستقبل طالما أن أحدهم يتبع الآخر لا محالة، ولذلك كان التنبوء بالمستقبل المشرق عند ناجي ينبه القرَّاء إلي الحاضر ويقدم لهم العلاج والحل وهو اللجوء إلى الله حتى يؤدي هذا الحاضر بالضرورة إلى العبور نحو مستقبلٍ أفضل تشرق فيه الأرض بالبشرى بعد الجائحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع
1ـ راجع: ضياء الثامري : العنوان في الشعر العراقي المعاصر، انماطه ووظائفه، مجلة جامعة القادسية في الآداب والعلوم التربوية،م (9)،ع (2)،2010م، ص13.
2ـ راجع: جميل حمداوي: سيميوطيقيا والعنونة، مجلة عالم الفكر،م(25 )،ع(3 )،يناير مارس 1997م، ص96 .
3ـ راجع: حميد الشيخ فرج: العنوان في الشعر العراقي الحديث، دار ومكتبة البصائر، ط1 ،2013م، ص 16.
4- راجع: سيد فاروق: المواقع الاستراتيجية ” على خارطة النص الإبداعي “، (د.ط)، المؤسسة العربية للعلوم والثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة ، مصر ، ط1، 2019م، ص27.
5 – محمد جاسم الموسمي: السرد الشعري، دراسة تطبيقية على الشعر الجديد، رسالة ماجستير، كلية البنات للآداب والعلوم والتربية، 1998م، القاهرة، ص 35.
6 – راجع: سيد فاروق: تقنيات السرد الحديثة ” في القصية المعاصرة، (د.ط)، نسائم الشعر والأدب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة ، مصر ، ط1، 2019م، ص 60
7- راجع: رولان بارت: درس السيميولوجيا، ، ترجمة: عبد السلام بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط3، 1993م، ص13.
8- سورة الزمر: الآية (53)
9- حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، (د.ط) مكتبة الوكيل الدرروبي، دمشق، سورية، درويسية، ص125.
10- راجع: محمد عبد العزيز سيدي أعمر: مفتاح العلوم بحل ثلاثة من أنواع الفهوم، التوحيد والفقه والتصوف، (د.ط) المطبعة العربية غرداية، الجزائر، 1998م، ج2، ص 191.
11 – الحدس : هو القدرة على معرفة شيء ما مباشرة دون الدخول في دائرة التفكير التحليلي، وسد الفجوة بين الأجزاء الواعية وغير الواعية في أذهاننا، وكذلك بين الغريزة والعقل، وبذلك يكون الحدس هو الطريقة التي يتواصل بها العقل الباطن مع العقل الواعي من أجل توصيل رسائل معينة.
12 – شوقي ضيف: في النقد الأدبي، (د.ط) دار المعارف، القاهرة، مصر، ط5، ص 113 .
13- محمد زكي العشماوي: قضايا النقد الأدبي بين القيم و الحديث، (د.ط) دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 1979 م ، ص 52
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عام مضى
شعر محمد ناجى
عامٌ مَضَىٰ تارِكًا أوجاعَهُ فينا
هَوْلٌ وفَقْدٌ علىٰ الماضينَ يُضنينا
في كلِّ بيتٍ لهذا الموتِ رائحةٌ
وَحشٌ بِلا رحمةٍ قد راحَ يُدمينا
كأنَّهُ كانَ مَحبوسًا لِأزمِنةٍ
لهُ سُعارٌ تَشَهَّىٰ عَبَّ دُمِّينا
يَمضي ولا يَرعَوِي مِنْ نَوْحِنا أبدًا
وليسَ يَرضَىٰ بغَيْرِ الحُزنِ يَسقينا
يَطوي فيَطحَنُنا طَحنًا يُرَوِّعُنا
والسُّؤْلُ هاجِسُنا: مِن أينَ يأتينا؟؟
والعَجْزُ دَيْدَنُنا لا حَوْلَ كانَ لنا
مَنْ دُونَكَ اللهَ عندَ الكَربِ يَكفينا؟؟
يا أرحَمَ الراحمينَ امْنُنْ بمَرحَمَةٍ
فهَلْ تُؤاخِذُنا مِنْ كَسْبِ أيدينا؟؟
عِشرينَ فانتَزِحي عنَّا ولا أَسَفًا
لا عُدتِ ثانيةً في الدَّهرِ عِشرينا
غدًا تعودُ إلىٰ الأيامِ بَهجَتُها
وتُشرِقُ الأرضُ بِشْرًا بعدَ كُورونا
يا ربِّ فَرِّجْ بفَضْلٍ منكَ جائحةً
(ويَرحَمُ اللهُ عبدًا قالَ آمينا)
admin