منصة المشاهير العرب مرخصة من الهيئة العامة للاعلام المرئي والمسموع السعودي , ترخيص 147624
فنون وثقافة المشاهير

الأثر المعرفي والرسالة عبر القصة القصيرة

31/ يناير /2021
avatar admin
256
0

قراءة نقدية في المجموعة القصصية “ورق وأرق” للقاص خالد الأصور

بقلم سيد فاروق

توظئة:
تعد اللغة هى الركيزة الأولى فـي بنـاء الـنص الأدبـى، بشكل عام، فـالنص الأدبـى على اختلاف أجناسه، يـأتى الإبــداع فيــه مــن خــلال كيفيــة اختيــار الأديــب للغته ومهارته البلاغية في صياغة تلك اللغة.
على أنَّ الكاتب لــم يســتخدم اللغــة بشــكلها المتـداول فـي الحيـاة اليوميـة، أو حتى تلك اللغة المتعارف عليها في المعاجم اللغوية، بـل إنَّه يسـتخدمها اسـتخدامًا خاصًـا مـن خـلال بعـض الانحرافـات والانزياحــات التــى تكســبها بعــدًا جماليـًّـا وابــداعيًّا إلــى جانــب وظيفتهــا الأساســية الاتصــالية التداولية، كما أنَّ الصورة والإحساس والمعنى جميعها تظل خفية مضمرة داخل الإنسان ما لم يعبر عنها من خلال اللغة .
ولأن اللغــة هــى الأصــل فــى بنــاء القصــة القصــيرة شــأنها فــى ذلــك شــأن الأجنــاس الأدبيــة الأخــرى، فمــن الطبيعــى أن تســتفيد بطريــق مباشــر أو غيــر مباشــر مــن هــذه الأجنــاس الأدبيــة الأخــرى، وبــالأحرى الشــعر، حيــث تســتفيد مــن لغتــه المجازيــة بموســيقاها وصــورها ورموزهــا وانحرافاتهــا وانزياحاتهــا، فتتحــول لغــة القصــة القصــيرة مــن المســتوى العــادى إلــى المســتوي الشعرى، وبذلك يتحقق للغة وظيفتها الشعرية داخل البناء المعماري قي الخطاب السردي للقصة القصيرة.
ومن هذا المنطلق نُقدِم على القراءة النقدية للمجموعة القصصية “ورق وأرق” للقاص خالد الأصور والتي ستكون من خلال العناصر التالية:
1- المواقع الاستراتيجية على خارطة النص
– العنوان
– العناوين الفرعية والداخلية
– اللوحة التشكيلية
– الإهداء
2- الأثر المعرفي وتسريد المتخيل
3- الرسالة عبر القصة القصيرة
4- استعارة خصائص الأجناس الأدبية
1- المواقع الاستراتيجية:
لقد عدَّت المنصات حقلًا معرفيًّا متكاملًا مع المتن – له حدوده وفضاءاته وضوابطه ومؤلفاته ولذا فقد ذهبنا بالمصطلح إلى ما أطلقنا عليه “المواقع الاستراتيجية” ونعني بالمواقع الاستراتيجية على خارطة النص الإبداعي كل ما يحيط بالنص من الخارج أو ما يعرف بالعتبات النصية حيث أنَّ لمحيط النص الخارجي أهمية كبرى في فهم المتن، وتفسيره، وتأويله من جميع زواياه، والإحاطة به إحاطة شاملة، وذلك بالإلمام بجميع تفصيلاته البنيوية المجاورة من الداخل والخارج، وكل عتبة تمثل التعبير عن موقف ما، وتقوم بدور أساسي في ولوج القارئ إلى عالم الكتاب وتوغله التدريجي فيه، لأنها تحدد ملامح هوية النص، وتضيء إشارات دلالية أولية، تجعل القارئ يستبق معرفة النص الغائب من خلال المعطيات الأولية التي ينثرها الكاتب على خارطة النص كمواقع استراتيجية لها أهميتها الكبرى، في مداخله
الافتتاحية (1).
فيما حدد الأديب خالد الأصور بعض المنصات المهمة التى ارتأى أنه لا مناص من الولوج إلى منجزه الإبداعي إلَّا من خلالها فكان لها أهميتها الاستراتيجية الخاصة كالعنوان والمؤشر التجنيسي والعناوين الفرعية والداخلية والإهداء والتقديم الذي عمد الكاتب أن يجعلهم جميغًا ضمن الموقع الاستراتيجية بجوار العنوان وأولاهم أهمية خاصة، وسيتم الولوج إلى تيمة النص الإبداعي وفكرته العامه من خلال هذه المواقع الاستراتيجية ليس على أنها دستورًا كما يظن البعض ولكن لما تقتضية القراءة النقدية الشاملة للنص.
العنوان
****
تشكل العنونة موقعًا استراتيجيًّا يحظى بمكانة خاصة على خارظة النص الإبداعي ولذا يُعد العنوان بابًا مهمًا من أبواب الدراسات النقدية الحديثة التي طرقها النقاد بأطراف أقلامهم فتنبه إليها أصحاب النصوص الأدبية، فأصبحت في نصوصهم فنا وصناعة، فصار لا يقل أهمية من النص نفسه “بوصفه المدخل أو العتبة التي يجري التفاوض عليها لكشف مخبوءات النص الذي يتقدمه ذلك العنوان” (2) .
وقد عدَّ العنوان البوابة الأولى التي تضيء للناقد طريقه في سبيل الدخول إلى عالم النص والتعرف على زواياه الغامضة، فهو مفتاح تقني يجس به نبض النص وتجاعيده، وترسباته البنيوية وتضاريسه التركيبية على المستويين الدلالي والرمزي. (3)
أما رولان بارت فقد عرف العنوان على أنَّه: “عبارة عن أنظمة دلالية سيميولوجية تحمل في طياتها قيمًا أخلاقية واجتماعية وإيديولوجية”(4).
ويرى جون كوهين أنَّ: العنوان من مظاهر الإسناد والوصل والربط المنطقي، بينه وبين المتن على أنَّ الخطاب النصي يشكل أجزاء العنوان الذي هو بمثابة فكرة عامة أو محورية أو بمثابة نص كلي (5).
ونظرًا لأهمية العنوان في النصوص الأدبية ودلالاته ومقاصده فقد جعله (لوي هوك) “مجموعة العلامات اللسانية من كلمات وجمل وحتى نصوص قد تظهر على رأس النص لتدل عليه وتعينه، وتشير لمحتواه الكلي، وتجذب جمهوره المستهدف”. (6)
أما العنوان في المجموعة القصصية التي بين أيدينا فقد أطلق القاص خالد الأصور عنوانًّا لمجموعته القصصية “ورق وأرق” وهو أول ما يطالعنا على صفحة الغلاف الأمامية على اللوحة التشكيلية وقد كتب بالبنط االعريض المميز بالألوان اللافتة ليستثير بؤرة الرؤية عند مطالعته ويكون أولى المواجهات مع القارئ، كما يستثير حافظة المتلقي ويحفزه من خلال عدة إشكاليات يطرحها العنوان ليتساءل القارئ فيما بينه وبين نفسه ما هو هذا الورق ؟ ، وما هو الأرق الذي أراده الكاتب؟ وما علاقة كل منهما بالأخر ؟ ؛
على أن العنوان السابق ” ورق وأرق” يمارس وظيفته في إضاءة النص والكشف عن روحه كعتبة أولية ومفتاحًا ناجحًا في فهم أولي للنصوص التي يتبوأ عليها، فهو من جانب آخر يمارس فعل الإغواء والتعيين والوصف (7)، واختصار النص الذي يتقدمه عن طريق الاقتصاد اللغوي الذي يتمتع به، فنحن عندما نقرأ عنوانًا يتكون من لفظة أو لفظتين فإنَّه بهذه الخاصية والميزة يستطيع أنْ يصف أو يختصر لنا الطريق إلى ذلك النص.
وهنا يجد المتلقي نفسه أمام مفترق طرق بين حالتي من الإغواء والإغراء للمضي قدمًا في سبر أغوار النص الإبداعي للمجموعة القصصية “ورق وأرق” في محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات علَّها تسهم في فك رموز تيمة هذا المُؤَلَّف وفكرته الأساسية فتكشف النقاب عما توارى منه خلف أستار الظلام، فيكتشف المتلقي بعد مطالعة المقدمة أنَّ هذه الأوراق ما كانت إلَّا أوراقًا بيضاءً ظلت نائمة حتى أيقظها الكاتب وأرقها وقدَّ مضاجع نومها حيث ملئها من حبر أفكاره الذي هو في الأساس عصارة تجربة وخلاصة فكر .
على أنَّ هذه الأوراق تروي لنا جانبًا من الحياة، فبمطالعة بعض قصص المجموعة وتفكيكها وإعادة تركيبها واستنطاق مضامينها ولغتها الشاعرية سوف نكتشف أن تلك الأوراق ما هي إلا مشاهدًا من الحياة الواقعية ربَّما يراى كل منا نفسه في مشهد من مشاهدها، ويكون الهدف الأسمى هو أنْ يستفيد المتلقي من التجربة الإبداعية في حياته فيأخد الخبرة ويقتنص الحكمة والغاية من هذه المجموعة القصصية التي أرقت أوراق كاتبها.
العناوين الفرعية والداخلية:
احتفى الكاتب خالد الأصور بالعناوين الفرعية والداخلية في مجموعته القصصية “ورق وأرق” احتفاءً لافتًا ومدهشًا وجديدًا في آنٍ جميعًا؛
حيث قسم المجموعة القصصية داخل المُؤَلَف إلى أربعةِ مجموعات صغيرة من القصص بحيث تأخذ كل مجموعة منها عنوانًا فرعيًّا يعبر عن مضامين ما جاء بها ثم تأتي بعد ذلك العنونة الداخلية لكل قصةٍ على حدى.
وسوف نستعرض ما جاء في هذه المجموعات من عناوين فرعية وأخرى داخلية لنرى كيف نمط الأصور منجزه الأدبي على أربعة محاور حسب ما جاء بالنسخة المعتمدة للطبع للمجموعة الفصصية “ورق وأرق” كما يلي:
العنوان الرئيسي : ورَق وأرَق
المجموعة رقم (1) : العنوان الفرعي “أطـلال الماضي”؛ العناوين الداخلية (وهج – ظلال – ورَق وأرَق – غيوم)
المجموعة رقم (2) : العنوان الفرعي “حب لـم يكـتمـل”؛ الغناوين الداخلية (صفعة – لم يعد – عزوف – حنين)
المجموعة رقم (3) : العنوان الفرعي “شـراك وشبـاك”؛ الغناوين الداخلية (شقيقتان – قنَّاص – انتقام – ثِقة)
المجموعة رقم (4) : العنوان الفرعي “أشبـاح … لا أرواح”؛ العناوين الداخلية (رصيف – عار – خلود – إشباع)
وفي تقديرنا أنَّ هذا التقسيم الجديد من نوعه في المجموعات القصصية أو ربمَّا يتسم بالندرة النوعية شكلًا ومضمونًا الأمر الذي ساعد إلى حدٍّ كبير القارئ على إنجاز مهمة القراءة فالتنميط والتقسيم ييسر عملية التلقي، على أنَّ كل هذه المعطيات من العناوين التي تحيط بالنص من الخارج أكثر مما تحيط به من الداخل، هي عبارة عن مواقع استراتيجية مهمة ومواجهات أولية مع القارئ، من شأنها أنْ تُمَهد للقارئ المرور إلى أعماق النص، وفضاءاته الرمزية المتشابكة، إنَّ هذه المواقع الاستراتيجية دائما ما تكون، منجم من الأسئلة بدون أجوبة، ولذا فهي تودي دورها المنوط بها في عملية إغواء المتلقي وإثارة حافظته لسبر أغوار النص في محاولة لكشف ما جاء بها من إشكاليات.
اللوحة التشكيلية:
لم يعد الغلاف ضمن وظائف الإعداد الفني لدار النشر فقط، بل أصبح الكُتَّاب يشاركون في تصميم اللوحات التشكيلية لمنتجهم الإبداعي بإبداء الرأي والتعديل، حتى يتوافق مع المنتج الإبداعي في التعبير عن المضمون الذي يحتويه المُؤَلَّف، ولم يعد التشكيل البصري للوحة الغلاف ” حلية شكلية بقدر ما يدخل في تضاريس النص، بل أحيانًا يكون هو المؤشر الدال على الأبعاد الإيحائية للنص” (8 )، فيقرأ كنص قبل قراءة النص الأصلي، وأحيانًا يكون فضاءً علاماتيًّا ذا دلالات،” يحمل رؤية لغوية ودلالة بصرية، ومن ثم يتقاطع اللغوي المجازي مع البصري التشكيلي في تدبيج الغلاف، وتشكيله، وتبئيره، وتشفيره” ( 9)، ولأهمية الصورة عدها البعض” وسيطًا توصيليًّا بين المبدع والجمهور” (10 ).
وقد جاءت الأيقونة البصرية للوحة التشكيلية معبرة عن مضمون العنوان في المجموعة القصصية – “ورق وأرق” للكاتب خالد الأصور – إلى حدٍّ كبير حيث تضمنت صورة لرأس فتاة تضع كلتا يديها على وجهها لتعكس كالمرآة ما توارى منه خلف نوافذ الأرق حيث تظهر علامات الأرق على العينين المغمضتين كما تظهر أعلى الرأس بعض الأوراق التي يبدو خروجها من العقل وقد أرقتها الذاكرة وملئت فراغها ، كما يشير جهاز المنبه المبني على مبدأ الساعة العادية والموجود جانب الوراق أعلى الرأس إلى تنبيه تلك الأوراق عند وقت تم تحديده مسبقًا فيما تشير عقارب هذا المنبه على الساعة الرابعة صباحًا وبذلك يعاد تشكيل هذا الورق من جديد ولا يسمح له بالنوم حتى الساعات المبكرة من الصباح ، فيما تشير صورة الفتاة إلى أن الحديث سيكون عن الأنثى بما أنَّ الحياة قائمة على الرجل والمرأة فسوف تتضمن المشاهد جانبًا من الحياة الاجتماعية بين هذا الرجل وتلك المرأة وبذلك يتوافق العنوان “ورق وأرق” مع التشكيل البصري للغلاف الأمامي للمجموعة القصصية.
الإهداء
****
هو فعل إخبار من الكاتب للقارئ، وكأنه يقول له: لقد أهديت هذا العمل إلى فلان ، لكنه ليس فعلًا لازمًا للأعمال الإبداعية بالضرورة، بما أنَّ عددًا كبيرًا منها قد يغيب عنه الإهداء تمامًا؛ (11)
لقد كان الإهداء عند الأصور إهداءً من نوعٍ خاص جدًّا فجاء كالتالي :
إلى أبي…
محمد عبد الحليم
محمود السيرة والسريرة، حليم الطبع…
إلى من أنا بضعة منه…
مَن أفرغ في قلبي حبه قطرة قطرة، حتى امتلأتُ به…
إلى أنْ قال : هذا كتابي العاشر؛لكنه الأول بعد ارتقائك السماء…
أهديه إليك.
“ولأن الإهداء هنا من جنس الإهداء الخاص” (12) ” للمقربين ” فإنه يمتاز بالواقعية والمادية، وبالتالي فوظيفته الدلالية عميقة جدًا، إذ هي بمثابة إعلان، صادق، عن العلاقة بين المُهدِي والمُهدَى إليه، وعلى هذا الأخير أن يكون مسؤلًا عما أهدي إليه، بأن يحمل إليه بعض تضامنه “(13)؛
لكن كيف ونحن هنا في هذا الإهداء الخاص أمام أهداء إلى الأب الذي وافته المنية رحمه الله وطيب ثراه وأبي وموتانا جميعًا.
هذا إهداء يبحث إذن، ليس عن تحميل المُهدَى إليه بعض المسؤولية، بل يحملُنا نحن بعض ما يعتري الكاتب من مكابدة ومعاناة، إنه يبحث في جوهرة عن فعل تأثيري فينا، نحن القُراء، والمتلقين .
ولمَّا كان الإهداء عتبة ضرورية في قراءة النص الأدبي بصفة عامة، فقد أصبح من أهم المصاحبات النصية التي تسعفنا في تفكيك النص وتركيبه، أو فهمه وتأويله، أو إضاءته وتفسيره، وكذلك يجعلنا نتعرف على الكاتب وسيماته الشخصية من خلال خطاب الإهداء الذي يكتبه.
2- الأثر المعرفي وتسريد المتخيل:
لمَّا كانت اللغة هي قوام التجربة الإبداعية في أساسها، عدَّت المنجزات الأدبية بكافة أجناسها تجارب لغة في المقام الأول، فهي تعطي الكاتب مؤشرًا دلاليًّا على خصوصياته ومواقفه وأفكاره، كما تضيء المساحة المظلمة من اللا شعور، ومنه تجسيد كل أنواع الدلالة فهي كذلك ” الوجود الشعري الذي يتحقق في الّلغة انفعالًا وصوتًا موسيقيًّا وفكرًا” (14)؛
وقد ارتأيت أنه من الطبيعي أن أتحدث في هذه القراءة عن الأثر المعرفي في المجموعة القصصية “ورق وأرق” للأديب خالد الأصور، وما يُعطيه هذا الأثر للنص من خطاب جمالي متميز قوامه تخييل المعرفة، وهذا بالتحديد ما تطرق له الناقد المغربي عبد الرحمن التمارة في تجربته النقدية والتي سيتم الاستعانة بها في تفكيك واعادة تركيب بعض نصوص المجموعة القصصية محل القراءة.
يقول الأصور في قصة “ظلال”:
” في سنوات العمْر والجمْر ، أوصَدَ خلالها نافذة حُلم كوهم ، وطَمَر بقايا الوَجد ، وطوَى أكثر من عقدين في حياته البائسة وأيامه الرطبة ، شاخ فيها قلبه الكَسير ، وآوى إلى يأسٍ مَرير ، يجثم على صدره كجبال صخرية حادة مُدبَّبة ..
ومن خَيمة اليأس والمستقبل الغامض وخلف أستار الوحشة والحيرة ومَفازة التيه ، يحتضرُ يومه المشؤوم على شرفات أمسه المرجوم ، ويتثاءب الحبُّ على أريكة النُّعاس ، وتتوالى الأفكار والصور القاتمة على خاطره فتلاحقُه وتؤرقُه ..”
وهنا نرى حالة الوجد التي سيطرت على بطل القصة نتيجة المعاناة من جرَّاء المشكلات الزوجية حتى أنه تأرجح بين الزمان والمكان يجوب سنين العمر حزنًا حتى أنه ” أصبح كالغريب في بيته العتيق أو كالسجين المسكين فيه ، آهٍ ثم آهٍ من جدرانِه الصَّمَّـاء الثقيلة تتمطَّى بظلالها الرمادية الكئيبة”
لقد تيقن الأمر جيدًا وأصبحت أمام مرآة المعرفة الحقيقية بطبيعة ما آل إليه أمره من بأس مضني، والتي بثها لنا الكاتب بصوت الراوي العليم الذي اتكأ على الخيال ليجسد لنا تلك الحالة وهذه المعرفة.
على أننا نقصد بالأثر المعرفي، تلك المعرفة التي تم تسريدها تخييليًّا، من أجل بناء قصة ذات “نسق تخييلي أساسه الخطاب الفني والفكري”(15). وهو خطاب مشبع بالتجارب المعرفية وثيق الصلة بالتجارب الإنسانية.
حيث تتأسس التجربة النصية للمجموعة القصصية “ورق وأرق” على المسار المعرفي للكاتب خالد الأصور؛ لكنه مسار يتولد منه مسار حياتي اجتماعي خاص، فيقوم المسار الأول -المعرفي- بالتقاط الكينونة الإبداعية للأصور، والمسار الخاص يجسد كينونته الوجودية بامتداداتها الاجتماعية والسلوكية والنفسية.
إنَّه قانون الازدواج المقلوب الذي يقدم الكينونة المعرفية للكاتب على الكينونة الوجودية؛ فتصير الأولى مقترنة بمسار يرصد الهوية الرمزية والنوعية، وما يستتبع ذلك من أفعال وسلوكيات ومواقف تجعل السرد في المجموعة القصصية ينتقل بين أمرين.
الأول: المعرفة والوجود الإنساني والثاني: الإبداع و التخييل الفني. (16).
أما في قصة “ورق وأرق” فقد استمر الكاتب في تسريد المعرفة الخيالية ليصل بنا إلى أقصى مستوى جمالي يمكن للقارئ أن يتذوقه
حيث يقول الأصور:
” كجـزيـرة ناتــئــة فـي أقـاصي بحــر هائج ؛ أغرقـتـه بأمواجها المتلاطمة وغمرته بعواصفها العاتية .. أحاطت بخاصرة عمره ، واحتكرت بورصة مشاعره ، فلا ترسل شارتها إلا إليها ، وانصهرت في خلايا قلبه وأخاديد عقله حتى أصبحت قِبلته في مِحراب الحياة والحبِّ ..
وهَبها إحساسه ، وفقد فيها حواسه ، صاغ لها من أمواج حبه قصائد ، ونسج لها من شلالات عشقه قلائد وفرائد ،”
” أصبح حبُّـه لـها بين مــــدٍّ وجــزرٍ ، قـلبـه ثـابـتٌ في حـبِّـها ؛ ولكنَّ عـقـلـه يتأرجح ، بَـذَلها مشاعره ؛ فابتذلت فـي الـمكـر بــه وخـداعه مساحيق قناعها القبيح ، فَطرت فؤاده الذبيح .. أرَّقته ؛ وتمنَّى فِراقها ؛ وانهار صموده !
بَعُدَت بينهمـا الشُّقَّــة وانـعدمت الثـقة .. يـُحــدِّق في عينيها ، ولا يصدِّق مُـقلتيها ، يترقَّبُ طيفها ويخشى لفحها ، تمنَّى لها الرضى ؛ فأوردته الـرَّدَى ،
كحيَّــة هنديَّــة رقطاء بلا صوت أو صدى ..”
وهنا يأكد “الأصور” على أهمية الّلغة في تشكيل العاطفة الإنسانية، تخيل معي عزيزي القارئ هذا المشهد الحبيبة “كالجزيرة الناتئة” والحبيب وسطها تطوقه بالأمواج والرياح والأعاصير فلا مفر من أن تكون ” قِبلته في مِحراب الحياة والحبِّ”؛ ولا مهرب من الغرق فى هذه الحبيبة “الجزيرة”.
أما عند التعبير عن الجفوة بين الصد والعناد فقد صاغ الكاتب هذه المقطع البليغ ” يترقَّبُ طيفها ويخشى لفحها ، تمنَّى لها الرضى ؛ فأوردته الـرَّدَى ” ؛
لقد شَكَّلَ الأصور المشاعر على اختلافها وتباينها بلغته الخاصة التى عمدت إلى تصوير الأحاسيس والتعبير عنها بشكل مختلف يجعل من المعرفة إداة لتشكيل الشعور الإنساني خيالًا ناطقًا وكما يقول كل من أ. ج. غريماس وج. كورتيس في إطار الأبحاث العلمية التي اهتمت بصفة خاصة بشكل المعنى وكان مما أوردا أنَّ: الّلغة الطبيعية ما هي إلَّا شاهد على ما يحمله التاريخ والثقافة كعاطفة من بين كل التداخلات الصيغية الممكنة، وما يحّقق الوجود الخطابي للعواطف هو الاستعمال الجماعي أو الفردي لها (17).
يستمر “الأصور” في رسم المشاعر ونحت الأحاسيس بفرشاة اللغة الفريدة التي تسبح في فضاءات الخيال فيقول في قصة “لم يعُد”
“تساقطت أوراق عمرها فـي خريف الأوهام ، وتـقوَّضت بداخلها
الأحلام ، فقد خَدَش قلبها الحالـم ، ونبَش في أضلعها لواعج الألم ، وكان مُخاض حُلمها حَملاً كاذبًا ، فغاض التمـاع عينيها ، وشهقت شهقة كادت تنزِع روحها ، ورشقته بنظرة لوم ، ولعقت دموع الندم .. فقد حَمل معه
الأفول والعدم ..”
” تاقت إلى رتق الُجرح ، فزاد منه الَخــرق ، سكبت دموعها بين يديه ، ولـملمت أحلامها المتناثرة وأودعتها في راحتيه؛فبعثرها وروَّعها ، وترك قلبها ينضح بالحزن ويفيض بالحسرة .. كان عُمْرًا فأصبح لحظة .. وكانت في رحلة حلمها كمن لجأت لعرَّافة لتقرأ كـــفَّها فصفعتها بكابوس !”
” بنظرات تائهة استقالت من أمانيها الحمقاء وحبِّها الموهوم ، واستقلَّت قطار الرحيل وأغلقت صندوق ذكرياتها معه ونثرت قصاصاتها في الهواء .”
وهنا يتضح لنا علاقة اللغة بالأحاسيس والمشاعر كما تتضح علاقة المعرفة بالتخييل، وما حققته المجموعة القصصية “ورق وأرق” من امتلاء فكري ومعرفي مستمد من تجارب الكاتب وخبراته علاقاته وتفاعلاته وقراءاته، يظهر الأثر المعرفي بوضوح على النصوص القصصية التي اهتمت بالمشكلات الاجتماعية؛ لأنه ما من كاتب يكتب من فراغ، وما من كتابة تأتي من عدم، بل هي مجال “لاستعادة الأشياء الماضية عبر التكرار بمفهومه التفكيكي والتشبّع بمفهومه السميائي”(18).
ومن هذا المنطلق فالّلغة في المجموعة القصصية “ورق وأرق” هي صورة للوجود يجسد الثابت منها الألفاظ وأما المتحول منها فهي الدلالات، إذ تبني علاقات مألوفة أحيانًا وغامضة في كثير منها، خاصة عندما يتعّلق الأمر بالّلغة الشعرية لكونها تنزاح عن الدلالة الّلغوية من وضعها القاعدي الاصطلاحي إلى حيز الغموض الغير معتم، أو بمعنى أخر ينقل اللغة إلى حيز التعدد الدلالي؛ لأن الخطاب الأدبي قوة ثانية لّلغة وطاقة سحر وافتتان، وهو يقوم على تحويل المعنى الموصوف من معنى ” تصوري ” إلى معنى ” شعوري” (19).
وبناءً على ما سبق
فإننا نرى أنَّ للغة عند الأصور طاقة بلاغية هائلة كانت بطلًا فاعلًا في البناء المعماري للخطاب السردي في مجموعته القصصية “ورق وأرق” الأمر الذي ساعده على استخدم أسلوب فريد ينزاح باللغة إلى مستوى أخر من الجمال فقد جاء الخطاب السردي في أغلب مواضعه يحمل وصفًا دقيقًا للمشاعر هذا الوصف الذي يحمل في طياته تقنيات سردية حديثة تجعل من الأشياء المادية والزمان والمكان أشخاصًا تشارك الأصور في أحاسيسة وتبث ما يحمله الوجد من شعور؛
على أنَّ الأصور استُخدمت هذه الإحداثيات بتواترها لخدمة السياق السردي في أنساق درامية تجسد حالة الوجد للذات الكاتبة في مشاهد مختلفة تتتابع وتتداخل في نسق شاعري يخدم معمارية البنية السردية في السرد المعاصر(20).
فتجد العمر كشجرة تتساقط أوراقه في خريف الأوهام ، وترى الأحلام كالبناء المهدوم كما ترى الحلم يجسد على انه امرأة حملت لكنه مع الأسف كان ” مُخاض حُلمها حَملاً كاذبًا”، ويستمر الأصور في السباحة داخل المعنى والمعرفة إلى أن تصبح الأماني حمقاء والبعد عن كنف الحبيب هو سفر في “قطار الرحيل” والذكريات صندوق به أوراق تبعثرت قصاصتها في الهواء.
الأمر الذي يحعلنا نهتدي إلى استنباط هذا الأثر المعرفي المنطلق من المعارف الثقافية والاجتماعية والتجريبية وكذا التخييلية للأديب الأصور هذا الأثر المعرفي الذي يُجسِّدَ المشاعر خيالًا خصبًا لينشئ إبداعًا جديدًا منسجمًا مع ذات الكاتب والعالم من حوله، محققًا به معرفة تحرك فئة معينة من القراء المتسمين بالذكاء والمتصفين بالنضج القرائي.
3- الرسالة عبر القصة القصيرة:
تكمن الغاية الفنية للقصة القصيرة في توصيل رسالة إلى المتلقي، وتتمثل هذه الغاية في فكرة، أو مغزى، أو انطباع خاص، لكنه بدلًا من أن يقدم أيًّا منها بصورة تقريرية مباشرة يعزف عنها القارئ أو لا يوليها اهتمامه، يتم نسج هذه الرسالة في مادة حكائية قصصية تحاكي واقع الحياة فتجذب القارئ إلى متابعتها والتأمل فيها، والتفكير فيما توحي به .
وهو ما ذكره الدكتور سهاد ياس عباس الشمري ضمن عناصر القصة القصيرة فكانت الفكرة عنده “هي الهدف من القصة الذي يرمي إليه القاص” (21).
وقد عدَّت الفكرة الرئيسة للقصة القصيرة أيضًا “هي الرسالة الرئيسة، أو الفكرة الرئيسية للقصة” (22) .
هذه الرسالة تُحْمَل إلى القارئ عبر القصة القصيرة عن طريق الكاتب، وهي الهدف الأساسي والفكرة العامة والغاية المستفادة من القصة القصيرة.
وقد أرسل الأصور عدة رسائل هامة إلى المتلقي من خلال مجموعته القصصية “ورق وأرق” في شكل حِكَمٌ مستفادة من خلاصة تجارب حياتية.
في قصة “وهج” أولى قصص “أطلال الماضي” في المجموعة القصصية ورق وأرق يقول الأصور ” انتصبت عليه علامات الدهشة ، أهذه التي لا أحفلُ بها ولا أكترثُ لها في البيت ؛ وأحتفلُ بها وأهتم في المقهى ! ، فهتف هاتف في داخله : قـــد تُفني عمرَك تـجوبُ الكون ، تبحث عن كنز فـي أقاصي العالـم ؛ وهو بين
يديك !
بدا ذاهلاً شاخصًا نحو اللا شيء تتباعد الأرض بين قدميه .. تفرَّس في وجهها جاحظـًا عينيه؛فإذا بها زوجته ورفيقة حياته !”
وهنا رسالة القصة إلى القارئ أن ينتبه إلى ما في يديه من نعم وكنوز فنجن لدينا من النعم الكثير التي لا ننتبه لها ونغفل عن وجودها في حياتنا.
وفي قصة “ضلال” يقول الأصور:
” غابت الشمس خلف حِجابها ولاح له الغروب ، فأطفأ حياةً ما لبثت أن توهَّجت في داخله ، وتراءت له مراسم تشييع قلبه الكسير إلى مثواه الأخير ، وهو يُصبِّر نفسه بأن الورود مُغلَّفة بالأشواك ، ولكي تَشُمَّ الورد فلتتحمَّل الشوك ..
ترَقــرَقت في عينيه دَمعتان .. فكَّر مليًّا وأصغَى إلى صوت هاديء واهن بداخله يناشدُه مُهَمهِمـًا : فلتتحمَّل الثُّلث الثالث والأخير.”
وهكذا تكون الحكمة والرسالة إلى القارئ أننا نتحمل الصعاب والمشقة من أجل وجود أشياء تبعث البهجة والسرور في حياتنا فيتحمل الإنسان ضغوط العمل ومشقته من أجل الحصول على المال وتحقيق الذات، كما يتحمل مرارة العيش والمشكلات الاجتماعية من أجل
الأولاد فهم الزهور المحفوفة بالشوك وهكذا في شتى مناحي حياتنا جانبًا معتمًا يحتوي أخر مضيئًا.
أما في قصة ” غُـيـوم” وبعد أن استحالت الحياة بينها وبين زوجها فكان الانفصال “عانقت حياتها من جديد ، وغدًا ستتدفق المياه في نهرها الظاميء ، وستهدأ الريح وتتلاشى هذه السحب التي تـحجب الشمس لتلد نهارًا جديدًا ، وتمزق غيوم الأوهام إلى وميض الأحلام التي ستتحقق يومًا ما في مُناخ صاف ، دون رياح مسكونة بالغبار ، وربما يوقظ حلمًا غافيًا في أعماقها ..
وذات مساء ستسري نسمـات في جوف الليل تبلل هجير الأمل ، فالغيمة الشريدة السوداء ؛ تمطر الندى الشفيف الأبيض !”
وهنا يقر الأصور مبدأ استمرار الحياة فتكون الرسالة والهدف من القصة أننا في حياتنا بصدد بعض العراقيل فمهما كانت المشكلات الاجتماعية ومهما كانت العثرات فإنَّ الحياة تمضي فلا بدَّ أن نتحلى بالأمل والتطلع إلى حياةٍ أفضل لأنَّ الحياة لن تقف على أحد.
ويبدو لنا أنَّ لقصة “انتقام” مكانة خاصة عند الأصور حيث كانت منها القطعة المنتقاه على الغلاف الخلفي، ومما جاء فيها:
” وبكبرياء وشموخ نشوة النصر مسحت تاريخــه الذي طالـما تفاخر بــه ، وأذاعت أسراره وأشاعتها ، ونشرت رسائله إليها شامتة هازئــة ، وفيها يستجديها حبَّها ، مـمهورة بتوقيعه الأشهـــر … فصارعُــــرضة للسخريـــة والازدراء في الـمحافل والإعلام ، وابتسمت هي ابتسامة النشوة والثقة ، وثملت مع أترابها بنخب التشفِّي ، ورقصت على أشلاء روحــه طربًا..
وكمـا كان حـادًّا على الـمرأة بجــرَّة قلم واحدة ؛ كانت حادَّة عليه بجرَّة سكِّين واحدة، سحبتها بلا رحمة فسحبت روحه ؛ فانتقمت لبنات جنسها ولـم تــدر أكانت الجانية أم هو الجاني ! “
وهنا يبث الكاتب رسالة إلى القارئ وحكمة بالغة مفادها إيَّاك أيُّها الإنسان من التكبر والترفُّع والاشمئزاز ، وكذا الحديث بلهجة المتعالي فإنَّ الأيام دول وحتمًا سيكون ” الجزاء من جنس العمل”.
أما في قصة “ثقة” والتي يقول في آخرها : ” أفاق من غفلته على طعنة هذا الأفَّاق الطمَّـاع الشَّرِه ، وأدرك متأخِّــرًا كم أخطأ التقدير ؛ فانشطر قلبه حطامًا ركامًا ، وانهار مضرَّجًا فـي أوهام الثــقة التي منحها لــه دون رؤيـــة أو رويـــة ، ولـم يكن خليقًا بها.. “
أرسل الأصور عدة رسائل في هذه القصة إلى القارئ منها :
– “لا تصنع المعروف في غير أهله ” فقد صنع البطل معروفًا في غير أهله حتى أفاق على طعنه منه.
– كن فطنًا فتحسس ما في قلوب البشر من حقدٍ وضغائن هذه الأشياء تظهر مع الوقت فأحذر حتى لا تثمن كلبك ليأكلك.
– وفي أخر هذه القصة تذكر البطل ” متأخِّـــرًا حكمة القول المأثور : اتـــَّق شرَّ من أحسنتَ إليه!”
4- استعارة خصائص الأجناس الأدبية:
**************
يتراءى لنا من خلال مطالعة المجموعة القصصية للأصور أنَّ أغلب مقاطع القصص والأقاصيص مكتوبة بلغة الشعر وخصوصًا في بدايتها وكأن القاص يعتقد أنَّه يكتب شعرًا أو خواطرًا بطريقة إنشائية شاعرية، يمزجها بمكونات النزعة القصصية والحكائية؛ فتخرج دفقة واحدة تعبر عن مشاعر الذات الكاتبة بشكل عفوي مطبوع، لقد دفع الأصور في مجموعته القصصية “ورق وأرق” بكمٍّ هائل من الصور الجمالية كما أنَّ بعض الجمل يحمل الخصائص الفنية لفن المقامات الأدبية نذكر منها في مواضع متفرقة من المجموعة ما يلي:
“اتخذ قراره الحاسم بالطلاق منها ، والانعتاق من أسرها ؛ فقد آن له أن يطوي صفحتها بلا رجعة إليها” ظلال
” ويُــفرج عن غضبه المكتوم ، ويَشفي منها قلبه المكلوم” ظلال
“تُحلِّق على جناحِه ، وتجنح في اجتياحِه ، تمرح في بَراحِه ، وتُوغِل في جراحِه..وخلف سُحُب الخديعة توارت فرحته ” ! ورق وأق
” تمرَّد على قصائده ، وتملمَلَ من وسائدِه ، وتساقطت نقاطه اللائمة عن حروفه الغائمة” ورق وأرق .
“بين سَبحاته ورَفرفاته ، وتهويماته ورَقرقاته ، أمسك بالقلم وشرع يكتب لها أروع الحروف يسكبها في قلبها الجاف ، فروَّعته وأردته الحتوف ، عوَّل عليها في ترميم نفسِه ، فهدَمَته بمِعوَل الغدر وأسلمته ليأسِه ورمسه ، وكما تأكل النار الحطب ، يأكل العشقُ القلبَ ..” ورق وأرق
“استعاض عن الحب بزينة الحياة .. الـمـال والبنون والجاه ..” ورق وأرق
” بجسدها البضِّ وقوامها الغض وعنفوانها النابض تلاحقها وتتفحصها عيون الذئاب البشرية ، وطمع بعض من يعرف ظـروفها وأراد استباحتها تحت وطأة الديون والزوج المدمن المأفون ..” غيوم
” هي امرأة يشبهها القمر ، ويعتكف في خِدره حين تظهر .. فؤادها رقراق ، ولـحظها بـرَّاق ، وفي وجهها إشراق .. تشرَّبت ملامح الشرق في حُسن الخلق ، وعصَمت نفسها عن أي نزوة أو نزق” صفعة
“نحَت بإزميله في وجه الزمن ليصنع لنفسه صورة وقورة مهيبة ، واتكأ على حِنكته وحِكمته ، ينعم بالسكينة ويتلمَّس طريقه في تؤُدة وتأنٍّ ، فلم تُصبه بعد ُسهامُ النظرة الأولـى ، ولـم يقع في حبائل الانطباع الأول ، فلم
يكن يومًا قنَّاصًا ماهرًا ، أو بصباصًا فاجرًا ..” عزوف
عزيزي القارئ لن تسطع حصر ما دفع به الأصور من صور جمالية صنعت انزياحًا ملموسًا في اللغة فقد استحضر الكاتب بعض خصائص الأجناس الأدبية متأثرًا بالنثر الفني في أسلوب كتابته، وكذا وبشكلٍ عفوي مطبوع تجد حضورًا مؤثرًا لفن المقامات الأدبية في البناء السردي المعماري للمجموعة القصصية “ورق وأرق” مما يزيد النص جمالًا في الشكل والمعني فتتعدد الدلالات للجملة الواحدة بالشكل الذي ينأى باللغة الأدبية عن اللغة المعجمية فتصبح الكلمة عاملًا في النص لها دلالات أخرى غير دلالاتها المعهودة والمتعارف عليها في المعاجم وبذلك تؤدي الكلمات دورًا فاعلًا في المجموعة القصصية التي بين أيدينا.
لقد استعار الأصور بعض التقنيات الفنية لجنس الشعر والنثر وفن المقامات فتحولت هذه القصص إلى أحلام وخواطر وانطباعات وجدانية، تتداخل فيها خصائص بعض الأجناس الأدبية، ليرصد فيها الكاتب أثر التداعيات المجتمعية وتعكس حالة الوجد التواقة إلى المثالية كما تعكس ما يعتري الذات الكاتبة من شعور بالمسؤلية تجاه المجتمع، مستخدمًا في ذلك لغة شاعرية تقترب أحيانًا من نصوص النثر في بنيتها الفنية ويدمجها في معمارية السرد فتخرج دفقاتها الشاعرية منبثقة من الشعور مكثفة الخيال تتسم برحابة الفكر وعمق الصور وبلاغة المرامي .
ونخلص إلى ما يلي
– تعد القراءة النقدية دون الولوج من العتبات هي قراءة ناقصة يشوبها التقصير، بينما تكمن جدوها في أنها تعد أولى المواجهات مع القاريء فتعمل على إغواء وإغراء المتلقي للمضي قدمًا في سبر أغوار النص الإبداعي ولها جدوى إشهارية وايضًا استحضار الموروث الثقافي للجنس الأدبي محل القراءة وغير ذلك الكثير
– حدد الأصور بعض المنصات المهمة التى ارتأى أنه لا مناص من الولوج إلى منجزه الإبداعي إلَّا من خلالها فكان لها أهميتها الاستراتيجية الخاصة كالعنوان والمؤشر التجنيسي والعناوين الفرعية والإهداء والتقديم الذي عمد الكاتب أن يجعلهم جميغًا ضمن الموقع الاستراتيجية بجوار العنوان وأولاهم أهمية خاصة.
– وضع العنوان المتلقي أمام مفترق طرق بين حالتي من الإغواء والإغراء للمضي قدمًا في سبر أغوار النص الإبداعي للمجموعة القصصية ” ورق وأرق ” في محاولة للإجابة عن التساؤلات والإشكاليات التي صنعها، علَّها تسهم في فك رموز تيمة النص وفكرته الأساسية فتكشف النقاب عما توارى منه خلف أستار الظلام.
– احتفى الكاتب خالد الأصور بالعناوين الفرعية والداخلية في مجموعته القصصية “ورق وأرق” احتفاءً لافتًا ومدهشًا وجديدًا في آنٍ جميعًا.
– جاءت الأيقونة البصرية للوحة التشكيلية معبرة عن مضمون العنوان في المجموعة القصصية – “ورق وأرق” للكاتب خالد الأصور – إلى حدٍّ كبير.
– كان الإهداء عند الأصور إهداءً من نوعٍ خاص جدًّا لا يبحث عن تحميل المهدى إليه بعض المسؤولية، بل يحملُنا نحن بعض ما يعتري الكاتب من المكابدة والمعاناة، لفقد والده والذي وافته المنية، إنه يبحث في جوهرة عن فعل تأثيري فينا، نحن القُراء، والمتلقين .
– في تقديرنا أنَّ للغة عند الأصور طاقة بلاغية هائلة وبطلًا فاعلًا في البناء المعماري للخطاب السردي الأمر الذي ساعده على استخدم أسلوب فريد ينزاح باللغة إلى مستوى أخر من الجمال فقد جاء الخطاب السردي في أغلب مواضعه يحمل وصفًا دقيقًا للمشاعر هذا الوصف الذي يحمل في طياته تقنيات سردية حديثة تجعل من الأشياء المادية والزمان والمكان أشخاصًا تشارك الأصور في أحاسيسة وتبث ما يحمله الوجد من شعور؛ .
– لقد اهتدينا في المجموعة القصصية “ورق وأرق” إلى استنباط الأثر المعرفي المنطلق من المعارف الثقافية والاجتماعية والتجريبية وكذا التخييلية للأديب الأصور هذا الأثر المعرفي الذي يُجسِّدَ المشاعر خيالًا خصبًا لينشئ إبداعًا جديدًا منسجمًا مع ذات الكاتب والعالم من حوله، محققًا به معرفة تحرك فئة معينة من القراء المتسمين بالذكاء والمتصفين بالنضج القرائي.
– أرسل الأصور عدة رسائل هامة إلى المتلقي من خلال مجموعته القصصية “ورق وأرق” في شكل حِكَمٌ مستفادة من خلاصة تجارب حياتية للكاتب كانت هي الغاية والهدف من كتابة القصة عند الأصور.
– وقد ارتأينا أننا لن نستطع حصر ما دفع به الأصور من صور جمالية صنعت انزياح ملموسًأ في اللغة فقد استحضر الكاتب بعض خصائص الأجناس الأدبية متأثرًا بالنثر الفني في أسلوب كتابته، وكذا وبشكلٍ عفوي مطبوع تجد حضورًا مؤثرًا لفن المقامات الأدبية في البناء السردي المعماري للمجموعة القصصية “ورق وأرق” مما يزيد النص جمالًا في الشكل والمعني فتتعدد الدلالات للجملة الواحدة بالشكل الذي ينأى باللغة الأدبية عن اللغة المعجمية فتصبح الكلمة عاملًا في النص لها دلالات أخرى غير دلالاتها المعهودة والمتعارف عليها في المعاجم وبذلك تؤدي الكلمات دورًا فاعلًا في المجموعة القصصية التي بين أيدينا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع
****************
1- راجع: سيد فاروق: المواقع الاستراتيجية ” على خارطة النص الإبداعي “، (د.ط)، المؤسسة العربية للعلوم والثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة ، مصر ، ط1، 2019م، ص27.
2- راجع: ضياء الثامري : العنوان في الشعر العراقي المعاصر، انماطه ووظائفه، مجلة جامعة القادسية في الآداب والعلوم التربوية،م (9)،ع (2)،2010م، ص13.
3- جميل حمداوي: سيميوطيقيا والعنونة، مجلة عالم الفكر،م(25 )،ع(3 )،يناير مارس 1997م، ص96 .
4- المرجع السابق ص 99.
5- نفس المصدر، ص97.
6- عبد الحق بلعابد: عتبات جيرار جينت، من النص الى المناص، ، منشورات الاختلاف، ط1 ،2008م، ص 67.
7- حميد الشيخ فرج: العنوان في الشعر العراقي الحديث، دار ومكتبة البصائر، ط1 ،2013م، ص 16.
8- – مراد عبد الرحمن مبروك : جيوبوليتكا النص الأدبي، ط1، دار الوفاء، الإسكندرية، 2002م، ص 124.
9 – جميل حمداوي : دلالات الخطاب الغلافي في الرواية http://www.diwanalarab.com/spip.php?article15389
10 – عبد القادر فهيم شيباني: معالم السيميائيات العامة، أسسها ومفاهيمها، ط 1، ة الدار العربية للعلوم ناشرون ، 2010م ، ص 151 .
11- د. عبد العزيز غوردو، فينومينولوجيا المكان: ما لم يرد عند باشلار، ط1، مطبوعات الهلال وجدة، 2011، ص 162.
12- المرجع السابق، ص 161.
13- Gerard Genette : Seuils, Coll Poétique, Seuil, Paris, 1987, P7.
14- السعيد الورقي، لغة الشعر العربي الحديث، الطبعة الأولى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الاسكندرية، 1979م، ص9 .
15- عبد الرحمان التمارة: الكتابة والتشكيل “تخييل المعرفة”، ضمن مؤلف جماعي، ص:69.
16- المرجع السابق، ص: 73-74
17- A. J. Greimas et J. Fontanelle, Sémiotique des passions- Des états de choses aux états d’âme, p 11.
18- عبد الرحمان التمارة: الكتابة والتشكيل “تخييل المعرفة”، مرجع سابق، ص: 86.
19- ينظر: جون كوهين: الّلغة العليا (النظرية الشعرية)، ترجمة: أحمد درويش، د.ط، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1995م ، ص 34.
20- راجع: سيد فاروق: تقنيات السرد الحديثة ” في القصيدة المعاصرة، (د.ط)، نسائم الشعر والأدب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة ، مصر ، ط1، 2019م، ص 60.
21- ↑محاضرة أ.سهاد ياس عباس الشمري (2014-10-24)، “الادب القصصي” موقع جامعة بابل، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 28/1/2021م.
22- “SHORT STORY ELEMENTS “, www.edu.xunta.gal,
عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 11331

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.