منصة المشاهير العرب مرخصة من الهيئة العامة للاعلام المرئي والمسموع السعودي , ترخيص 147624
أخبار وتقارير مقالات وآراء

مايكل دوغلاس الفائز بـ”سعفة” تكريمية في كانّ 76

09/ يونيو /2023
avatar admin
81
0
يصعب الحديث عن مايكل دوغلاس، الممثّل والمنتج، من دون ذكر والده كيرك، الفنّان الهوليوودي الكبير الذي عاش أكثر من مئة عام ولعب أدوار سبارتاكوس وفان غوغ والجنرال في “دروب المجد” وغيرها من الأدوار التي بقيت في أذهان المشاهدين. عاش كيرك الحياة على أوسع نطاق، ويُعتبر من رموز العصر الذهب للسينما الأميركية. ظلّ طيف الأب حاضراً بقوة على كتف مايكل، مع ما يترتّب عليه من مسؤوليات ومستوى توقّعات لا يجوز الهبوط تحته. هذا الظلّ الذي عانى منه كثر عرف مايكل كيف يوظّفه لمصلحته، فتخلّص باكراً من عقدة “هذا ابن فلان”، حد ان “السعفة” الفخرية التي لم تُسند يوماً إلى والده نالها مايكل في ليلة افتتاح هذه الدورة من مهرجان كانّ السينمائي (16 – 27 الجاري).

الهدف من اعطاء مايكل دوغلاس (78 عاماً)، صاحب الـ”أوسكارين” وستّ “غولدن غلوب”، هذه “السعفة الفخرية” التي أُعطيت سابقاً لأمثال مانويل دو أوليفيرا وجان بيار ليو وأنييس فاردا وغيرهم، هو، بحسب المهرجان، “رد اعتبار إلى مسيرة فنية بارعة والتزام سينمائي”، علماً ان الرجل كان جاء إلى كانّ للمرة الأولى في العام 1979 ليشارك في عرض “متلازمة الصين” إخراج جيمس بريدجز (الفيلم الذي جمعه بجاك لامون وجاين فوندا)، أما آخر مشاركة له فيه فكان يوم قدّم “خلف الشمعدان” قبل عشر سنين، وبين التاريخين العديد من الأعمال التي كرّسته ممثّلاً يجيد اختيار أدواره.
مايكل دوغلاس الذي يصعب التصديق بأنه بات على مشارف الثمانين، هو أكبر الأولاد الأربعة الذين رزق بهم كيرك، وكانت بداياته في الستينات حين كان لا يزال شاباً يتسكّع في بلاتوهات والده. بداياته الفعلية كممثّل جاءت مع تسلّمه دور المفتّش ستيف كيللر في مسلسل “شوارع سان فرنسيسكو” الذي استمر بين 1972 و1977. باكراً، انخرط دوغلاس في السينما بصفته منتجاً، ولم ينتظر الشهرة، كما فعل الكثير من أبناء الجيل الذي تلاه، ليمر إلى خلف الكاميرا. ففي العام 1975، وفي عز انشغاله بالمسلسل الذي شهره، دعم مخرجاً شاباً يأتي من تشيكيا، ميلوش فورمان، في ثاني تجاربه الإخراجية في أميركا، فكان “طيران فوق عش الوقواق” الذي أنتجه دوغلاس ونال عنه جائزة “أوسكار” أفضل منتج.

حكاية إنتاج الفيلم طويلة، وفي الواقع كيرك هو الذي كان المبادر الأول، اذ كان اشترى حقوق اقتباس الكتاب، الا ان الشخصية الانقلابية في الرواية منعته آنذاك من إيجاد تمويل، وبدلاً من نقله إلى الشاشة، حوّل الكتاب مع بعض التعديلات إلى مسرحية لعب فيها دور ماك مرفي طوال ستّة أشهر.
الا ان الاقبال الجماهيري كان ضعيفاً. وخلال زيارة له إلى تشيكيا، التقى فورمان، وبعد مشاهدة أفلامه صارحه برغبته في ان يسند إليه مهمّة أفلمة الرواية، ووعده بأن يرسل نسخة منها إليه، الا ان النسخة المرسلة صادرها الأمن، فاعتقد كيرك أنه غير مهتم بالمشروع. الا ان هجرة فورمان إلى أميركا بعد ربيع براغ 1968، جعلته يتسلّم المشروع مجدداً، لكن هذه المرة كان مايكل هو الذي تسلّم زمام الأمور. هذا ما قاله مايكل دوغلاس عن فورمان بعد موت الأخير: “كان خسارة فاضحة. رحيله ذكّرني فجأةً كم اننا نشيخ جميعاً. تذكّرتُ عندما كنّا، المنتج سول سانتز وأنا، نجري مقابلات للعثور على مخرج لـ”طيران فوق عش الوقواق”، وكنّا نشعر بالخيبة، لأن أحداً لم يكن يشاركنا أي شيء من أفكاره. ثم جاء فورمان، وفتح السيناريو، وصار يقلّب صفحة تلو صفحة، ويقول لنا ماذا ينوي فعله بها. كنّا متحمّسين جداً”.
ويبدو ان كيرك كان جعل هذا الكتاب مرجعاً أخلاقياً له، اذ عندما سأل صحافي مايكل عن النصيحة التي أسداها والده النيه عندما انطلق في مسيرته، كان ردّه: “نصيحته الوحيدة كانت نوعاً ما فلسفة ماك مرفي وهي: إفعل ما في وسعك، حاول إلى أقصى حدّ، ثم تباً! الفكرة هي الآتية: اعط كلّ ما تملكه، توفقتَ أو لا، انتقل إلى شيء آخر”.
بيد ان أفضل فترة عند مايكل دوغلاس التي وصل فيها إلى ذروة فنّه، هي بين منتصف الثمانينات وأواخر التسعينات، قدّم خلالها أفلاما حملت أجواء وأفكار ومناخ تلك الفترة، أفلاما مشغولة بحرفية عالية، ترفيهية لكن تحترم عقل المُشاهد، بعيدة كلّ البُعد عن الطهرانية التي تسيطر على هوليوود حالياً. عند الحديث عن هذه الفترة، تحضرني ثلاثة أفلام: “مغازلة الحجر” لروبرت زيميكيس، فيلم مغامرات من الطراز الرفيع، أضحى مع الوقت من الكلاسيكيات، حيث يضطلع دوغلاس بدور المغامر جاك كولتون إلى جانب كاثلين ترنر، ويجدان نفسيهما داخل عالم مشوّق، بحثاً عن حجر نادر. في “جاذبية قاتلة” لأدريان لاين، المعروف بأفلامه التي تدفع بالإيروسية إلى الأقصى، علاقة جنسية عابرة بين محام متزوج ورب عائلة (دوغلاس) وناشرة عزباء (غلين كلوز) تتحوّل إلى كابوس. دائماً في العش المنزلي، لكن على نحو مغاير تماماً عن فيلم لاين، أنجز الممثّل داني دو فيتو “حرب آل روز”، مسنداً الدور الرئيسي فيه إلى دوغلاس. الفيلم كوميديا سوداء تجمع الثلاثي الذي نجح في “مغازلة الحجر”. ويروي النزاع على الممتلكات بين زوجين من البورجوازية الأميركية اثر نشوب خلاف بينهما. فيلم آخر يحمل بصمة الحقبة التسعيناتية: “اللعبة” لديفيد فينتشر، عن رجل أربعيني (دوغلاس) حياته منظّمة على نحو لا يتوقّع حدوث أي مفاجأة فيها، الا ان أخاه سيهدي إليه لعبة مفخخة لا أحد يستطيع إيقافها فور انطلاق مفعولها.
وكيف يمكن ان ننسى “غريزة أساسية” لبول فرهوفن في مطلع التسعينات؟ دوغلاس يلعب فيه دور شرطي يجري تحقيقات عن مقتل نجم موسيقى روك، الا انه يستسلم لاغراء المتهمة الأولى في القضية (شارون ستون). رغم حذف الرقابة بعض المشاهد منه، فالإيرادات التي حققها الفيلم أطلقت موضة الثريللر الإيروسي الذي أصبح شبه غائب عن الشاشات اليوم. الفيلم افتتح مهرجان كانّ، الدورة الخامسة والأربعين، دافعاً بستون إلى النجومية.
سنوات الألفين كانت زمن التغيير في مسيرة دوغلاس. فبعد أعمال حقّقت إيرادات ضخمة في شبّاك التذاكر، عاد إلى أفلام مستقلّة مفتتحاً الألفية الثالثة بأفلام مثل “وندر بويز” لكرتيس هانسون و”ترافيك” لستيفن سادربرغ. في الأول، يؤدي دوغلاس دور غرادي تريب، مدرّس لا يستطيع ان يروي غليل نزواته ككاتب بورجوازي. يصل إلى مرحلة معينة من حياته، فيغويه عدم الاستقرار الاجتماعي ويصبح على شفير “الانحراف”. أما الثاني، “ترافيك”، الذي يجمع خافيير (بينيتشيو دل تورو) بروبرت واكفيلد (دوغلاس) بهيلينا (كاثرين زيتا جونز التي ستصبح زوجته في ما بعد)، فبنى من خلاله سادربرغ نوعاً من منصّة، تجعل الشخصيات تلتقي من دون ان تتلاقى فعلاً! عبر مزجه المأزق الجماعي بالمأزق الفردي، والمَشاهد الأكثر جاذبيةً بمشاهد التحقيقات التي تنتمي إلى الفيلم الوثائقي، صنع سادربرغ فيلماً جافاً، مريراً، صارماً، عن المخدرات.
عام 2010، عاد دوغلاس إلى الدور الذي حصل عنه على “أوسكار” أفضل ممثّل: غوردون غيكو. وذلك في تتمّة “وول ستريت” لأوليفر ستون، الفيلم الذي صنع مجده في الثمانينات. يخرج غيكو من السجن، في بداية الفيلم، حيث كان دخله لمدة ثماني سنوات بعد اتهامه بالاحتيال والغش، ليعود مرة أخرى الى نشاطه في بورصة وول ستريت. في مواجهته هذه المرة ابنته التي لم تسأل عنه طوال سنوات سجنه، وأيضاً خطيبها، الشاب اللامع الذي جعل أحد كبار أقطاب البورصة يجني أرباحاً كبيرة قبل أن ينتحر بسبب تعرضه لانتكاسة مالية.
“خلف الشمعدان” (2013) لستيفن سادربرغ هو آخر فيلم حضر به دوغلاس إلى كانّ. ليبراتشي (1919 ــ 1987) واحد من أهم رموز الموسيقى في الولايات المتحدة. كان عازفاً عبقرياً لديه طريقة خاصة جداً في تقديم فنّه إلى الجمهور، أصابعه تضغط على مفاتيح البيانو، ولا يتأخر عن وقف العزف لمحادثة الناس. فيلم يُشاهَد بلا ملل، بيد ان نقطة قوّته هي مايكل دوغلاس الذي قدّم أداء متماسكاً لا يُنسى.
نقلا عن جريدة النهر اللبنانية
عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 11203

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.