مجالس العز

العجائب في أساطير شعبية للجهيمان

19/ أغسطس /2021
avatar admin
50
0

الكاتب  / بداح  السبيعي

 

كوني أحد محبي التراث الشعبي بجميع أنماطه أشعر بالكثير من الامتنان للشيخ عبدالكريم الجهيمان متعه اللّه بالصحة والعافية نظير ما قام به من جهود عظيمة في سبيل جمع وتدوين الحكايات والأمثال الشعبية، فقد أتاح لي الجهيمان وأتاح لجميع أبناء هذا الوطن فرصة الإطلاع على جانب مهم من جوانب تراث الجزيرة العربية دون عناء أو مشقة، ولم أجد طريقة للتعبير بمؤلفه الشهير (أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب)، فكما هو معروف تتضمن أجزاء (أساطير شعبية) الخمسة مجموعة كبيرة من الحكايات الشعبية والحكايات الخرافية، ومن يطلع على تلك الحكايات يلحظ بروز عنصر العجائبية بشكل كبير ولافت، لا سيما في الحكايات الخرافية، والعجائبية كما يعرفها الدكتور أحمد زياد محبك هي «نزعة إنسانية قوامها ابتكار ما هو عجيب، والعجيب هو ما يكسر المألوف، ويتجاوز الممكن ليخترق المستحيل، ويحقق ما لا يمكن تحقيقه، محدثاً بذلك حالة من الدهشة، معتمداً على الابتكار الذي يقيم علاقات غير متوقعة وغير ممكنة بين الأشياء… وهو تعبير عن قهر داخلي أو حرمان وقمع، أو محض انطلاق خيالي لتحقيق المتعة الفنية». وتحفل أساطير الجهيمان بأشكال عجائبية كثيرة، كعجيب الحيوان، وأحد أمثلة ذلك الجمل الذي يستطيع الطيران في سبحونة (الأمير المشرد)، وعجيب النبات، ومن أمثلة ذلك الشجرة التي تتكلم وتساعد الأرملة على الحصول على الكنز في سبحونة (الأرملة والعفريت)، وكذلك الشجرة التي تشفي أوراقها من العمى، وإذا ضرب المجنون بأحد أغصانها ثلاث مرات يشفى من الجنون في سالفة (أبو نيه وأبو نيتين)، وعجيب الأحداث، والأمثلة على ذلك كثيرة، أحدها ما حدث لصالح بطل سالفة (صالح وزوجته والترنجه)، حينما أكد له الأطباء بأن داخل الورم الذي خرج في فخذه جنين «صغير متكامل»، ويقومون باخراجه بعد ذلك، وعجيب الأشياء، ومن الأمثلة على ذلك العباءة التي منحتها العجوز للجندي المجهول في سبحونة (الأميرات الراقصات والجندي المجهول)، وتماثل هذه العباءة في دورها دور طاقية الإخفاء، إذ تمكن هذه العباءة لابسها من رؤية الآخرين وتمنعهم من رؤيته، كما تساعده على الطيران أيضاً، وعجيب الكائنات الخرافية، ومثال ذلك الغول الشرس ذو السبعة رؤوس الذي قابل الإخوة الثلاثة في سبحونة (الغول مع الإخوان الثلاثة)، وكذلك الوحش الكاسر (قاط قاط) في الحكاية التي تحمل نفس الاسم، إضافة إلى ذلك يجد المطلع على أساطير الجهيمان أشكالاً عديدة من أشكال العجائبية.

وأود أن أركز حديثي في السطور التالية على أحد أشكال العجائبية في أساطير الجهيمان، ألا وهو (عجيب التحول)، حيث تتعرض شخصيات الحكايات التي جمعها الجهيمان إلى العديد من التحولات، ولا أعني بذلك التحولات التي تنقل البطل من مستوى اقتصادي إلى مستوى اقتصادي آخر، أو التي تنقله من مكانة اجتماعية وضيعة إلى مكانة اجتماعية رفيعة، أو التي تنقله من البؤس والشقاء إلى النعيم والسعادة، بل أعني التحول الذي يطرأ على شكل وهيئة الشخصية، بحيث تتحول الشخصية من هيئة إلى هيئة أخرى، ويرجع سبب التحول في أغلب الأحيان إما للقدرة الإلهية كما في سالفة (الملك المجوسي مع الأميرة ابنته)، حيث تدعو بطلة الحكاية (زينب)الله بأن يخلق لها جناحين لتتخلص من المأزق الذي وضعت نفسها فيه، وأن يصورها الله في صورة طائر، وقد استجاب الله لدعائها فانقلبت إلى حمامة بيضاء! (ج4، ص69).

ومن عجيب التحول الذي يكون سببه القدرة الإلهية أيضاً ما نجده في سبحونة (محمد وزوجته العاقر)، ففي هذه الحكاية تقوم المرأة العاقر من مرقدها في الثلث الأخير من الليل، وتتوضأ وتصلي، وتدعو ربها بأن ترزق مولوداً، حتى ولو كان حيواناً: (بكرة أو قعوداً)، فيستجيب لها اللّه فتلد بعد الكثير من التعب والآلام «بكرة صغيرة جميلة»، وتسمي المرأة هذه البكرة (جميلة)، وعندما تكبر جميلة تخلع عنها جلد الناقة وتتحول إلى «فتاة جميلة رشيقة باهرة القوام»! (ج5، ص 69).

وفي بعض الحكايات يكون التحول ناتجاً عن القدرة الفائقة التي يتمتع بها الجن، فعلى سبيل المثال يقوم رئيس الجن في سبحونة (الحطاب الأحدب ورفيقه من الجن) بشكر الحطاب الأحدب، وإعطائه الكثير من الذهب، ومساعدته على التخلص من عاهته كمكافأة له على إكمال بيت الشعر الذي كانوا يرددونه في سهرتهم، وبعد فترة من الزمن يعاقب رئيس الجن الحطاب الآخر وهو الحطاب السليم بأن يحوله إلى أحدب عقاباً له على تعكير صفو سهرتهم بشطر شعري رديء! (ج4، ص 45). وفي سبحونة (احتب دنيدش والا بناتك) أيضاً يعاقب الكلب الجني بطلة الحكاية البنت الصغرى (مي) على فضولها بأن يتفل على رجلها، فتنقلب رجلها إلى رجل كلب، وتصبح رجلها مشوهة بحيث لا يمكن أن يتزوجها أي إنسان، ولكنه في نهاية الحكاية ينقذ مي من القتل، ويقوم بالمسح على قدمها وساقها، فتعود رجلها إلى حالتها الطبيعية! وفي نفس هذه الحكاية التي يتألف بناؤها من أكثر من حكاية، تقوم الأخت الكبرى بإحراق جميع الخنافس التي آذتها ما عدا الخنفساء التي استنجدت بها، ويستمع ابن عم زوج الأخت الكبرى إلى غناء الخنفساء فيعجبه صوتها، ويخطبها من ابن عمه وهو لا يعلم أنها خنفساء، ولكن الخنفساء تساعد أحد أولاد الجن الذي أصيب بورم خبيث في رقبته وسد حنجرته على الشفاء، إذ يرى هذا الجني الحركات العجيبة والمضحكة التي تقوم بها الخنفساء، فيضحك «ضحكة مجلجلة»، ينفجر منها الورم الذي يسد حلقه ويمنعه من الأكل، وبعد ذلك يساعد أهل الجني المريض الخنفساء على تحقيق أمنيتها بأن تكون «امرأة سوية كأجمل النساء»! (ج2، ص235).

وأحد الأسباب التي تؤدي إلى التحول أيضاً (السحر)، ففي سالفة (الصياد مع الساحرة صاحبة قبعة الريش) تتحول الحمامات البيض اللاتي رآهن بطل الحكاية الصياد (مبارك) إلى ثلاث فتيات جميلات، وبواسطة (قبعة الريش) التي تمتلكها كل واحدة منهن يتحولن إلى حمامات! (ج1، ص127).

وفي سبحونة (العجوز الساحرة والفتى الجميل) تحاول العجوز أن تغري الفتى الجميل، ولكنه يمتنع، فتأتي إليه مرة أخرى وتخبره بأنها «عجوز مسكينة وجائعة»، فيطعمها من الطيور التي اصطادها، فتخدعه العجوز الساحرة وتهديه زجاجة فيها نوع من الأطياب المسحورة، وعندما يشم الفتى هذا الطيب ويمسح به وجهه ويديه يحس بأحاسيس غريبة، فينام ويستيقظ ليجد نفسه وقد تحول إلى خروف صغير! (ج5، ص 161).

ختاماً أقول بأن (أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب) مؤلف (عجائبي) عظيم يستحق منا الكثير من الاهتمام والعناية، وكذلك يستحق منا الشيخ عبدالكريم الجهيمان الكثير من الشكر والتقدير على ما بذله من وقت وجهد لجمع وحفظ الحكايات والأمثال الشعبية، وكما ذكرت في بداية حديثي فما هذا المقال الصغير سوى تعبير عن الامتنان لعبدالكريم الجهيمان.

 

 

عن الكاتب : admin
عدد المقالات : 1094

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.